خطوة صائبة للأمام
تأملات بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما من جهود حركة حقوق الإنسان: 1978-2003


ريد برودي

قطعت حركة حقوق الإنسان شوطا طويلا منذ تأسيس منظمة "هيومن رايتس ووتش" قبل خمسة وعشرين عاما، ففي كل حدب وصوب تقريبا في شتى أنحاء العالم يرفع الدعاة والمناضلون راية حقوق الإنسان دعما لما يطالبون به من الاحترام والكرامة. وبفضل هذه الحركة أصبحت حقوق الإنسان مع انتهاء القرن الماضي أيديولوجية من الأيديولوجيات السائدة في العالم التي لا تنفك الحكومات تعلن عن التزامها بها. وعلى الرغم من أن الحركة لم تتمكن من إيقاف مذابح الإبادة الجماعية في العراق ورواندا ويوغوسلافيا السابقة وعمليات القتل الجماعية في غيرها، فقد بدأت تبسط سلطان العنصر الأخلاقي على العلاقات الدولية بقوة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. وأصبحت الحركة عاملا من عومل التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وبعض أجزاء القارتين الأفريقية والآسيوية.

إلا أن حركة حقوق الإنسان تواجه الآن تحديات جسيمة، وهي على وجه التحديد الهجمات المريعة التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 والتي استهدفت ضرب السلطة الأمريكية في الصميم، مما أطلق العنان لردود فعل تهدد بمحو العديد من المكتسبات تحت ستار "الحرب على الإرهاب" التي تبدو لا نهاية لها. ومع اطراد هذه الحملة بدأت الحكومات المؤيدة للحركة تعيد حقوق الإنسان إلى المرتبة الثانية، مثلما كانت تفعل قبل الحرب الباردة وخلالها، بينما بدأت حكومات أخرى تنتهز الفرصة لاستخدام الحرب على الإرهاب ذريعة لتبرير القمع الداخلي. وفي مواجهة هذه التحديات يجب على الحركة أن تبين أن تعزيز الحقوق الأساسية ضروري للأمن وأداة لا غنى عنها لمكافحة الإرهاب.
***
تقول روبرتا كوهين المديرة التنفيذية للرابطة الدولية لحقوق الإنسان "إن دعاة حقوق الإنسان، الذين عانوا من التجاهل أو الازدراء على مر سنين باعتبارهم جماعة غريبة الأطوار، يركبون الآن موجة الشعبية بفضل تركيز الرئيس كارتر على قضية الحقوق. إنهم يقولون إن التجربة رائعة ومثيرة للانزعاج في آن واحد. ولقد أصبحت حقوق الإنسان فجأة من مستلزمات الأناقة، فبعد سنوات كنا فيها الخطباء الواعظين أو المثاليين السخفاء أو المتطفلين الذي يتدخلون فيما لا يعنيهم، أصبحنا الآن نحظى بالاحترام والتقدير".

كان هذا هو استهلال مقالة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" عام 1977 عن حركة حقوق الإنسان. وفي وقت لاحق من ذلك العام، فازت منظمة العفو الدولية بجائزة نوبل اعترافا بإنجازاتها التي كانت تحظى بالتقدير من قبل. وفي العام التالي تأسست منظمة هيومن رايتس ووتش. واليوم أصبحت حقوق الإنسان وحركة حقوق الإنسان ملمحا أساسيا من الخارطة السياسية الدولية.

وفي السنوات الخمس والعشرين الماضية، بعثت مجموعة ضخمة وجديدة من المنظمات الوطنية والدولية الحياة من جديد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من الصكوك التي اعتمدت بعد الحرب العالمية الثانية. وأصبح لواء حقوق الإنسان مرفوعا في شتى أنحاء العالم، يرفعه الرهبان في التبت وعمال المزارع في الإكوادور والمنظمات النسائية الأفريقية ودعاة المثلية الجنسية ذكورا وإناثا في الولايات المتحدة. وأصبح هناك مفوض سام تابع للأمم المتحدة مختص بحقوق الإنسان، وهو الراعي الرسمي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وسنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما قوانين تجعل احترام حقوق الإنسان عاملا مهما من عوامل العلاقات الثنائية. وفي معظم البلدان نجد اليوم هيئات محلية لحقوق الإنسان أو قاضيا للمظالم مختصا بشكاوى حقوق الإنسان. كما صادقت معظم البلدان على المعاهدات الرئيسية لحقوق الإنسان. وأنشئت محكمة جنائية دولية لتتولى التحقيق في بعض الفظائع التي تعد من أسوأ ما شهدته البشرية، بينما تمكنت الحركة من الإيقاع ببعض رموز البطش مثل أوغسطو بينوشيه وسلوبودان ميلوسيفيتش.

كما أصبحت حركة حقوق الإنسان نفسها تتميز بقدر أكبر من الشمولية، فغدت كالفسيفساء الغنية التي تتضمن عددا كبيرا من المنظمات الدولية المحترفة غير الحكومية إلى جانب آلاف المنظمات الإقليمية والوطنية والمحلية التي تتناول قضايا تتراوح ما بين تقرير المصير وحقوق الأطفال، وما بين الحصول على أدوية فيروس نقص المناعة البشرية والحق في الحصول على المياه.

ومع اتساع نطاق الحركة دخلت القضايا التي كانت مهملة فيما مضى إلى التيار الرئيسي للاهتمام، وخصوصا القضايا المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وتزايدت نقاط التلاقي بين جهود المنظمات المكرسة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية من ناحية، والمنظمات المهتمة بحماية حقوق الإنسان من ناحية أخرى. وبدأ العديد من منظمات التنمية يتحول من المناهج الإنسانية والمناهج القائمة على الاحتياجات والموجهة لتحقيق الكفاية، إلى المناهج القائمة على الحقوق في التعامل مع قضية التنمية. وبعد أن كانت منظمات حقوق الإنسان تركز إلى حد كبير على القضايا المدنية والسياسية مثل الاعتقالات السياسية والتعذيب، بدأنا نتجه تدريجيا إلى تناول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء هذه الانتهاكات أو إلى مناصرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثل التعليم والصحة والسكن.

وأصبحت حقوق المرأة التي كانت على الهامش فيما سبق قوة دافعة لحركة حقوق الإنسان منذ أن فاجأت المنظمات النسائية مؤتمر الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام 1993، وفازت بالاعتراف الكامل بأن "حقوق المرأة من حقوق الإنسان". وأدى التركيز على حقوق المرأة إلى نتائج عدة منها الإسهام في توسيع المفاهيم الأساسية لحقوق الإنسان مثل "الانتهاك" و"المنتهك"، فتحولت الحركة من الاقتصار على التركيز على الإجراءات المتخذة من جانب الدولة إلى دراسة مدى مسؤولية الدولة عن التقاعس عن اتخاذ إجراءات للتصدي لانتهاكات من المعروف أنها حدثت على أيدي أطراف خاصة.

وجدير بالذكر أن المستويات المختلفة في الحركة يكمل بعضها بعضا. ففيها ما يمكن أن نسميه بالمنظمات أو الحركات الأولية للأشخاص المناضلين من أجل حقوقهم، مثل بعض منظمات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والعديد من المنظمات النسائية، وحركة العمال غير الملاك في البرازيل، وما شابهها. وهناك منظمات تسعى إلى تعزيز الحقوق عن طريق وضع اللبنات الأساسية للمجتمع الذي يحترم الحقوق، وهي الصحافة الحرة والقضاء المستقل والتوعية بحقوق الإنسان والتسامح والسيطرة المدنية على الجيش. وهناك منظمات وطنية ودولية ترصد معايير احترام حقوق الإنسان وتبذل الضغط لمنع وقوع الانتهاكات أو لإيقافها، مثل اللجنة الكولومبية للقضاة ومنظمة هيومن رايتس ووتش.

كما وصلت الحركة إلى مستوى راق من التطور في طريقة الدعوة إلى الحقوق، حيث تطورت من أسلوب الحملات المبكرة لإرسال الخطابات الذي ابتدعته منظمة العفو الدولية حتى أصبحت تضم فرق الحملات والمنظمين وأنصار بذل الضغط والخبراء الإعلاميين. وللمنظمات الدولية غير الحكومية الكبرى الآن باحثون على أرض الواقع يتصلون عن طريق البريد الإلكتروني بمكاتب الدعوة إلى الحقوق في الأمم المتحدة والعواصم الكبرى، الأمر الذي يجعلنا في موقف قوي يمكننا من التأثير على القرارات الدولية وهي لا زالت في طور التكوين. وتهدف بعض المنظمات المعنية بالرصد، مثل هيومن رايتس ووتش، إلى دعوة الحكومات القوية لتعيز الحقوق، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتتعامل معها أحيانا على أنها شركاء لها في بذل الضغط لإحداث التغيير، وأحيانا على أنها بديل للحلفاء المنتهِكين الذين يرفضون النقد الديمقراطي أكثر من غيرهم (وأحيانا بالطبع على أنها مرتكبة الانتهاكات). ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى التحذير الشهير الذي وجهه إيان مارتن من أن "حركة حقوق الإنسان لا يمكن أن تقبل بالعمل من خلال علاقات السلطة القائمة حاليا في عالم اختلت فيه موازين المساواة، بل لا يمكنها أن تكون محايدة في موقفها منها". ولكن عندما نطبق منهج "التسمية والفضح"، الذي لا يطول الحكومات المنتهكة فحسب بل يطول حلفاءها الدوليين أيضا، وعندما يتم ذلك بدعم من شركائنا في البلدان المضارة، فإن الحركة تكتسب قدرا كبيرا من القوة التي لا يستهان بها.

بعد الحرب الباردة

بعد سنوات من تأسيس منظمة هيومن رايتس ووتش جاءت الحرب الباردة لتمثل حافزا للحكومات على استغلال حقوق الإنسان كسلاح، وعقبة أمام من يسعون إلى التعاون الدولي القائم على مبادئ من أجل تعزيز حقوق الإنسان. وحرصت الولايات المتحدة على رفع راية حقوق الإنسان في حربها الأيديولوجية مع الاتحاد السوفييتي وحلفائه، بينما كانت تتستر على الانتهاكات التي ترتكبها النظم المستبدة التي تقدم الولايات المتحدة لها المعونة (وإن لم تكن ترعاها رعاية مباشرة)، وذلك كما هو واضح لكونها متاريس تقف في طريق المد الشيوعي. أما الكتلة الشرقية من ناحيتها فقد رفضت توجيه النقد إلى سجلها في مجال حقوق الإنسان واعتبرت ذلك "تدخلا [غير مقبول] في الشؤون الداخلية" للبلدان ذات السيادة، وشلّت آلية الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان.

ولكن حتى في أثناء الحرب الباردة فقد ساعدت تعبئة حقوق الإنسان على التوصل إلى العديد من الإنجازات الهامة، ولعبت دورا لا يستهان به في إنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والتحول نحو الحكم الديمقراطي في الكثير من مناطق أمريكا اللاتينية. وأدت عملية هلسنكي - التي تمخضت عن إنشاء منظمة "هلسنكي ووتش" السابقة على منظمة "هيومن رايتس ووتش" - إلى وضع إطار داخل الكتلة السوفييتية وخارجها يتصدى الأفراد من خلاله للحكومات القمعية، الأمر الذي أدى في آخر الأمر إلى انهيار النظام السوفييتي الذي كان ينكر حقوق الإنسان الأساسية في الواقع الفعلي.

ويبدو أن انتهاء الحرب الباردة أفرز اتفاقا جديدا في الآراء حول مبدأ حقوق الإنسان. فالمنشقون عن الكتلة السوفييتية الذين أنشأوا حركة حقوق الإنسان هناك، والذين كانت حركة حقوق الإنسان الدولية تناصرهم، لم يصبحوا أحرارا فحسب، ولكنهم صعدوا إلى السلطة في بعض الحالات. وظهر في أفريقيا اتجاه نحو الديمقراطية التعددية، بينما استكملت أمريكا اللاتينية التحول من حقبة الدكتاتوريات العسكرية التي تساندها الولايات المتحدة. وفي بعض البلدان الآسيوية مثل الفلبين وكوريا الجنوبية ساعدت حركات حقوق الإنسان أيضا على إدخال التحول الديمقراطي. وساعدت الأغلبية الديمقراطية الجديدة - التي تضم الآن العديد من بلدان أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية - على إطلاق يد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الأمر الذي أدى في أوائل التسعينيات على إطلاق العنان للأمم المتحدة للاهتمام بحقوق الإنسان اهتماما جادا، وفي بعض الحالات إلى تبني دور يشبه دور دعاة حقوق الإنسان وفقا لتصور إليانور روزفلت.

والأهم من ذلك أن مبدأ سيادة الدولة بدأ يتراجع تراجعا مطردا أمام الضغوط في مجال حقوق الإنسان. ففي عام 1993، وضع مؤتمر الأمم المتحدة الدولي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا حداً حاسماً لحجة الدفاع عن السيادة عندما أعلن أن "تعزيز وحماية حقوق الإنسان يعتبر من مجالات الاهتمام المشروعة لدى المجتمع الدولي". فالطريقة التي تعامل بها الدولة شعبها مسألة تهم الجميع. وفي مواجهة التحديات التي يطرحها أنصار النسبية الثقافية و"القيم الآسيوية" أكد مؤتمر فيينا أيضا على إعلانه أن "الطبيعة العالمية لهذه الحقوق والحريات مسألة لا جدال فيها".

وأصبحت حقوق الإنسان، على حد تعبير مايكل إجناتييف، "اللغة الأخلاقية السائدة في الشؤون الخارجية"، حتى ولو كانت الأهداف الاقتصادية والأمنية غير المتسقة كثيرا ما تطغى عليها على مستوى التنفيذ. ومع صعود لغة حقوق الإنسان، وبث التليفزيون والإنترنت التقارير الفورية عن الانتهاكات، بدأت حرية الحكومات في العمل على خدمة المصالح المعروفة للنخب الحاكمة تصبح مقيدة أمام المجتمع المدني النشط والمطلع على مجريات الأمور، أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث. وقد لاحظ ريتشارد فولك في قول سديد له أن "التحرك في عقد التسعينيات نحو الاتفاق العالمي في الآراء حول حقوق الإنسان يمثل بداية لثورة معيارية في العلاقات الدولية التي بدأت أهميتها تفوق مكانة الحسابات الواقعية للسلطة والمكانة في المخيلة السياسية للمراقبين وواضعي السياسات".

ولكن حتى في عقد التسعينيات، الذي يفترض أنه العقد الذهبي لحركة حقوق الإنسان، لم تتمكن الحركة من إيقاف مذابح الإبادة الجماعية في يوغوسلافيا السابقة ورواندا، ولا الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في تيمور الشرقية والشيشان، ولا قتل الملايين من المدنيين في الصراعات المسلحة في أواسط أفريقيا. (بل إننا بينما كنا نجتمع في فيينا احتفالا بانتصار حقوق الإنسان، كانت المذبحة في البوسنة مستمرة بلا هوادة على بعد ما لا يزيد عن بضع مئات من الأميال). ولا زال نصف سكان كوكبنا البالغ عددهم ستة مليارات يعيشون في فقر، ومنهم 24% يعيشون في "فقر مدقع". وهناك ملياران ممن تدافع عنهم حركة حقوق الإنسان ليس أمامهم سبيل لتلقي الرعاية الصحية، ومليار ونصف المليار لا يجدون سبيلا للحصول على المياه الصالحة للشرب.

وفي هذا العالم الذي يشتد فيه التعصب والتطرف، والذي يلقى فيه الملايين حتفهم في الصراعات المسلحة، والذي يستشري فيه الفقر والبؤس، لا يجد البعض، مثل ديفيد ريف، مفرا من التساؤل عما إذا كان تطوير المعايير قد حقق أي شيء على الإطلاق "لمن يحتاجون إلى العدل أو المعونة أو الرحمة أو الخبز؟ وهل حمت هذه المعايير إنسانا واحدا بالفعل من يد البطش والطغيان؟"

ولكن ينبغي هنا ألا يخلط المرء بين مشاعر الكآبة الناجمة عن المسار الحالي للأحداث على صعيد حقوق الإنسان، والتشكك في قيمة جهود حقوق الإنسان أو إنجازات الحركة. فلا شك في أن المعايير وحدها لن توقف طاغية أو فصيلا متطرفا عازما على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وهنا يأتي دور حركة حقوق الإنسان التي ينبغي عليها، كما ينبغي على كثيرين غيرها، أن تواجه السؤال الصعب الذي يدور حول التدخل العسكري لإيقاف الفظائع. (وأعتقد أن معظم زملائي سيوافقونني على أن اللجوء إلى القوة ليس مشروعا فحسب، ولكنه ضروري أيضا من الناحية الأخلاقية في مواجهة مذابح الإبادة الجماعية أو ما يعادلها من فظائع وأهوال. ولكن يظل الخلاف شديدا حول كيفية الترخيص باستخدام هذه القوة وطريقة استخدامها). وإذا كانت النظم الدكتاتورية لا تتقيد بالمعايير، فالديمقراطيات المفتوحة تتقيد بها ما دامت هذه المعايير تحظى بتأييد المجتمع المدني الحريص على المشاركة. وفيما بين قصف العراق والصرب، الذي يعد في طبيعته أشبه بالعملية الجراحية نسبيا، والقصف الجوي الشامل الذي تعرضت له لاوس وكمبوديا، فضلاً عن تدمير هيروشيما أو دريسدن، يمكن أن نلمس حدوث تطور ملحوظ يتجاوز طيبة القلب في نفوس الجنرالات. كذلك أصبح من الصعب أكثر من ذي قبل أن يسجن شخص مثل نيلسون مانديلا 25 عاما، أو شخص مثل شيا ثاي بوه السنغافوري 23 عاما؛ فما كان أمرا معتادا من خمسين عاما أو خمسة وعشرين عاما لم يعد اليوم مقبولا على الإطلاق.

إن المعايير تعطي القوة لكل من النشطاء والضحايا، وذلك بأن تضع مقاييس معينة وتضفي المشروعية على مطالبهم، وتنشر "المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب والأمم" كما ورد في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي مجموعة من المجالات التي تتراوح بين حقوق المرأة والاتجاه نحو إلغاء عقوبة الإعدام، يمكن أن نرى أن عملية وضع المعايير ثم التعبئة لتنفيذها حققت بالفعل نتائج ملموسة.

وعندما شاركْتُ في قضية بينوشيه في مجلس اللوردات الإنجليزي عام 1998، دهشت لمدى النضوج الذي حققته حركة حقوق الإنسان. فقد طبقت أخيرا الإعلانات السامية مثل اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على التعذيب في قضية حقيقية ملموسة، ليس هذا فحسب بل إنها طبقت في قضية رجل بات رمزا للدكتاتورية عديمة الرحمة بوجهه الساخر المختفي وراء نظارته الشمسية الداكنة، والذي استخدم تكتيكات قمعية على مدى 25 عاما مضت، فأطلق العنان للقوى التي أدت إلى القبض عليه وإلى عقد جلسات محاكمته - ألا وهي الدعوة إلى حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية. وكان بينوشيه قد نفى مئات الآلاف من أبناء شيلي الذين يجهرون بالرأي، فتدفق هؤلاء بمساندة الرأي العالمي الغاضب لينضموا إلى صفوف منظمات مثل منظمة العفو الدولية، التي بذلت بدورها الضغط لاعتماد اتفاقية القضاء على التعذيب التي مهدت للقبض على الدكتاتور السابق.

الحادي عشر من سبتمبر/أيلول

إلا أن حركة حقوق الإنسان في أوج قوتها واجهت تحديا جديدا كان، ولا يزال، يهدد بتقويض الكثير مما حققته. فبينما كان موظفو منظمة هيومن رايتس ووتش ينظرون من نافذة غرفة الاجتماعات في صباح الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، إذ رأوا الطائرتين المختطفتين تدمران مركز التجارة العالمي. فأطلقت هذه الجرائم ضد الإنسانية، والتي استهدفت ضرب السلطة الأمريكية في الصميم، العنان لردود أفعال تهدد بمحو الكثير من المكاسب تحت ستار "الحرب العالمية على الإرهاب" التي لا نهاية لها. وشهدت الحملة على الإرهاب تآكل سيادة القانون أكثر من توطيد أركانه. وهكذا تعرضت حقوق الإنسان لتقويض أركانها في وقت كانت فيه في أمس الحاجة إلى الدعم والمؤازرة.

وقد حاولت بلدان عديدة حول العالم محاولة أنانية لا تلقي بالاً لحقوق الإنسان أن تستغل الحرب على الإرهاب تبريرا لانقضاضها على المعارضين السياسيين أو الانفصاليين أو الجماعات الدينية أو للقول بضرورة حصانتها من النقد الموجه لممارساتها في مجال حقوق الإنسان. وردت بلدان كثيرة على عنف الإرهاب الأعمى بسن قوانين وتدابير جديدة لا تفرق هي نفسها بين المذنب والبريء. وأصدرت بلدان عديدة قوانين رجعية لمكافحة الإرهاب، حيث أنها توسع من السلطات الممنوحة للحكومة للاعتقال والرقابة بطرق تهدد الحقوق الأساسية. وظهرت موجة متواصلة من عمليات الاعتقال والقبض التعسفي على المشتبه فيهم دونما اعتبار للإجراءات القضائية المنصفة. وفي بعض الأماكن تعرض الموصومون بالإرهاب للاغتيال والإعدام خارج نطاق القضاء.

ومن التطورات التي تبعث على أشد القلق تجدد الجدل حول شرعية التعذيب. فحتى لو كان التعذيب متفشيا في شتى أنحاء العالم، فقد كان من المسلم به تقريبا حتى وقت قريب ألا تسمح أي دولة بالتغاضي عن التعذيب. فالتعذيب أشد صور الإذلال، وهو عمل مشين بدرجة لا توصف يعود إلى القرون الوسطى، أما اليوم فقد أصبح مستبعدا تماما من دائرة الممارسات المقبولة. وكان التعذيب من المعارك الأولى التي خاضتها منظمة العفو الدولية، وبفضل جهود الحركة أصبح التعذيب يعتبر رمزا للهمجية التي لم تعد مسموحة في أي ظرف من الظروف. وقد أشارت إحدى المحاكم الأمريكية، في أثناء نظرها قضية تعرف بقضية فيلارتيجا، إلى أن من يلجأ اليوم للتعذيب هو نسخة معاصرة من قراصنة الماضي البعيد بوصفه "عدو الإنسانية جمعاء". والمعروف أن بينوشيه جرد من حصانته بسبب التعذيب، لا القتل الجماعي. إلا أننا نرى الآن، وخصوصا في الولايات المتحدة، أصواتا ذات شأن تدعو إلى إمكانية استخدام التعذيب كأداة مناسبة في الحرب على الإرهاب. وقد أثيرت اتهامات خطيرة بالفعل حول تعرض المعتقلين الذين أسروا في أفغانستان للضرب ولما يعرف بأساليب "الضغط والإكراه" من جانب مسؤولين أمريكيين، أو للتسليم لبلدان ثالثة ربما يتعرضون فيها للتعذيب، وهي التهم التي لم تتمكن إدارة بوش من الرد عليها ردا وافياً.

وعلى مستوى العلاقة بين الحكومات، اتخذ الاهتمام بحقوق الإنسان مرتبة متأخرة بعد حشد الحلفاء للحرب على الإرهاب، الأمر الذي يعطي تصريحا مفتوحا في واقع الحال للحلفاء الجدد والحلفاء الاستراتيجيين القدامى. وجدير بالذكر أن لجنة حقوق الإنسان في جنيف لم تلمس هذا العام استعدادا من جانب أي حكومة من الحكومات لطرح قرار ينتقد الصين، بينما حالت روسيا بسهولة دون اتخاذ قرار بخصوص الشيشان على الرغم مما تقترفه من فظائع مستمرة فيها.
وقد دعت هذه التطورات مايكل إجناتييف إلى التساؤل بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول "هل جاءت حقبة حقوق الإنسان وانتهت؟"

لاشك في أن حركة حقوق الإنسان تواجه تحديا جديدا، فقد بدأ النزال الحقيقي، ويجب ألا نتمسك بالوهم الذي يصور لنا أن الولايات المتحدة (أو أي بلد قوي آخر) تستطيع بدون الدعم المنظم من المواطنين أن تجعل من حقوق الإنسان "روح سياستها الخارجية"، على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر.

وفي هذه الحقبة الجديدة يجب أن تبين الحركة أن تعزيز حقوق الإنسان على المستوى الدولي ليس قيمة أخلاقية فحسب، ولكنه أيضا أداة أساسية لمكافحة الإرهاب. وقد بين كوفي عنان هذا الطريق في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة في سبتمبر/أيلول 2003، قال فيه "إننا الآن نرى بوضوح حقيقة مخيفة ألا وهي أن العالم الذي يعاني فيه الملايين من القمع الوحشي والبؤس الشديد لن يتمتع بالأمن التام على الإطلاق، حتى لأكثر ساكنيه ثراء". وإذا لم يكن من المنتظر أن يرتدع الإرهابيون بسبب التغيرات السياسية، فيجب أن نعمل على أساس أن دعم الإرهاب يتغذى على القمع والظلم والإجحاف وانعدام الفرص. وكما قال ريتشارد فولك "إن رسالة الإرهاب ستظل أبعد ما تكون عن التأثير والتهديد على نطاق واسع، متى كانت المظالم التي غذتها غير مشتركة على نطاق واسع في المجتمعات التي تتأثر بها". فمتى كانت هناك ديمقراطية ومساواة فهناك أمل، ومتى كانت هناك إمكانيات سلمية للتغيير قلت احتمالات كسب التأييد العام للإرهاب. وهكذا فإن الأمن العالمي يتعزز بفضل نجاح المجتمعات المفتوحة التي تدعم احترام سيادة القانون وتنشر التسامح وتضمن حقوق الشعوب في حرية التعبير والمعارضة السلمية.

وفي الولايات المتحدة، حيث أصداء الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على أشدها بطبيعة الحال، نجد أن المخاوف التي نجمت عن أحداث سبتمبر/أيلول قد استغلتها إدارة بوش للضغط لسحب بعض الحقوق الدستورية بصورة جذرية. ولذلك تسعى حركة حقوق الإنسان جاهدة لإقناع الأمريكيين بأن المتطلبات الأمنية يمكن أن تتوافق مع مزايا الحرية، ويجب أن تتوافق معها، بينما ينبغي أن تمنح الحكومة السلطة اللازمة لاتخاذ التدابير المعقولة والضرورية لتقليص التهديد الفعلي للإرهاب. وفي تحذير من أشد التحذيرات إزعاجا من جانب أنصار الدستور المتشددين، قال النائب العام الأمريكي جون أشكروفت للكونجرس "إن رسالتي إلى أولئك الذين يخيفون محبي السلام بأشباح الحرية الضائعة هي أن أساليبكم لن تفيد سوى الإرهابيين لأنها تفت في عضد أمننا القومي وتوهن من عزمنا. إنها تمد أعداء أمريكا بالذخيرة، وتدفع أصدقاءها إلى التريث والتردد". وعلى الرغم من أن هذه المعركة معركة صعبة وما زالت في أولها، فإن الحركة تسترجع كلمات بنجامين فرانكلين، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، الذي قال "إن من يتخلون عن حرية من الحريات الأساسية من أجل الأمن المؤقت لا يستحقون حرية ولا أمنا".

إن هذه الأوقات العصيبة تدعو إلى حشد استغلال كل طاقات حركة حقوق الإنسان وقدرتها على تعبئة الأفراد والجماعات. وهو ما يعني استكمال الجهود الناقصة في تحقيق التكامل بين كافة أجزائها، وبناء علاقات من المنفعة المتبادلة بين منظمات حقوق الإنسان الوطنية والعالمية. لقد قطعنا شوطا طويلا منذ أن شكا إليّ أحد دعاة حقوق الإنسان من أمريكا الوسطى قائلا إن الحركة تسير على نموذج "الماكيلا"، الذي تستغل فيه المنظمات الشمالية "المادة الخام" في الجنوب، ألا وهي الانتهاكات، ثم تدعو الحكومات الغنية إلى جعل المعونات المخصصة للبلدان الفقيرة معونات مشروطة. لكننا ما زلنا نناضل لإيجاد سبل تتغلب بها المنظمات الوطنية والمحلية الرائدة على الصعاب التي تواجهها في سبيل الحصول على التمويل وجذب انتباه الإعلام العالمي والاستعانة بالخبرة اللازمة لتحسين مستوى المشاركة في تحديد أجندة حركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي. وليس هذا القول مجرد كلمات تراعي الاعتبارات السياسية السليمة؛ فكما أشار بهي الدين حسن، مدير معهد دراسات حقوق الإنسان بالقاهرة مثلا، فإن تمكين الشركاء العرب من المساعدة على تحديد أجندة حركة حقوق الإنسان هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يشجع المنظمات العالمية غير الحكومية على مساعدتهم لتبديد الانطباع السائد بأن حقوق الإنسان هي مفهوم مفروض من الغرب. ويجب أن تتعامل الحركة مع أمر واقع، وهو أنها تكون في أضعف حالاتها حيثما يبلغ دعم الإرهاب أشده في الشرق الأوسط وغربي آسيا.

فإذا أردنا أن نحقق أقصى استفادة من طاقاتنا فلا بد أن نحقق التضافر بين حركة حقوق الإنسان وبين دعاة العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وحتى لو لم تكن اهتماماتنا متفقة دائما كل الاتفاق، فلا بد أن نضم أصواتنا معا فيما يتعلق بالقضايا الرئيسية التي توحد بيننا. فقد بلغنا العديد من المحطات الرئيسية على طريق نجاح الحركة - مثل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية والنضال ضد الفصل العنصري - عندما التحمت قوانا بدوائر التأثير الواسعة. فالحملة العالمية لحظر استخدام الألغام الأرضية مثلا، التي تعد مؤسسة هيومن رايتس ووتش من مؤسسيها، تجمع في تحالف ضخم بين 1300 منظمة من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية والمعنية بالأطفال والسلام والمعاقين وكبار السن والصحة والجهود الإنسانية لمساعدة ضحايا الألغام والتنمية وضبط التسلح والتنظيمات الدينية والبيئية والنسائية في أكثر من 90 بلدا. وعندما منحت لجنة جائزة نوبل جائزة نوبل للسلام لهذه الحملة ومنسقتها الرئيسية جودي ويليامز أشارت اللجنة إلى الطبيعة الفريدة لجهودها التي أدت إلى "إتاحة التعبير عن موجة عريضة من الالتزام الشعبي والعمل باسمها بطريقة لم يسبق لها مثيل".

لاشك لدي إذن في أن الأغلبية الساحقة من الناس في عالمنا اليوم يؤيدون مبدأ حقوق الإنسان؛ ولذلك فإن مهمتنا التي لم تستكمل بعد هي تعبئة هذه الأغلبية لتصبح قوة لا سبيل لمقاومتها.