![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
IV. انتهاكات الحكومة والجنجويد في غرب دارفور
بدأت الحكومة السودانية منذ هجوم جيش تحرير السودان على الفاشر في أبريل/نيسان 2003، وبشكل خاص منذ تصاعد الصراع في منتصف 2003، بإتباع إستراتيجية عسكرية تستهدف المدنيين من المجموعات العرقية عينها على أنهم متمردون.
وقامت الحكومة وميليشيا الجنجويد معاً باستهداف الفور والمساليت والزغاوة من خلال القصف الجوي المتعمد والعشوائي ومنع وصول المساعدات الإنسانية وسياسة الأرض المحروقة التي أدت إلى هجرة مئات الآلاف من المدنيين.10 كما ثابرت الحكومة وبشكل عشوائي على اعتقال وأحياناً تعذيب الطلاب والناشطين السياسيين وغيرهم من الفور والزغاوة والمساليت في دارفور والخرطوم ممن يشك بأي صلة لهم مع الحركات المتمردة. القتل الجماعي على يد الحكومة والجنجويدكشفت تحقيقات مارس/آذار-أبريل/نيسان التي قامت بها هيومن رايتس ووتش عن عمليات قتل واسعة النطاق في 14 حادثة في دار مساليت وحدها حيث قتل أكثر من 770 مدنياً بين سبتمبر/أيلول 2003 وأواخر فبراير/شباط 2004. وهي ليست الحوادث الوحيدة التي تمت في دار مساليت خلال هذه الشهور الستة، بل فقط الحوادث التي استطاعت المنظمة أن تدعمها بشهادات شهود وبمصادر أخرى ذات مصداقية. وقد حصلت المنظمة على معلومات عن حوادث إعدام جماعية في مناطق الفور في إقليم وادي صالح في الفترة الممتدة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2003 وأبريل/نيسان 2004.
ورغم أن هذه المعلومات غير كاملة نظراً لصعوبة الوصول إلى الضحايا الذين يعيشون في بلدات ومعسكرات للمهجرين تسيطر عليها الحكومة، إلا أنها تشير إلى أن الغارات على قرى المساليات والفور تتم غالباً بطرق متشابهة. غارات ومذابح في دار مساليتإن جميع الحوادث الأربعة عشرة التي وقعت في دار مساليت هي عبارة عن غارات منسقة بين الجيش والجنجويد. أربعة منها وقعت عقب غارات جوية بدءاً من أواخر ديسمبر/كانون الأول 2003. وفي حادثتين قبل أواخر ديسمبر/كانون الأول، قامت الحوامات بإحضار مؤن و/أو قوات إلى المنطقة قبل وقوع الغارات. وفي خمسة حوادث من هذه الحوادث الأربعة عشرة تعرضت المنطقة لهجوم أكثر من مرة. وفي ستة حوادث على الأقل شمل الهجوم مجموعة من القرى وصل في أحدها إلى 30 قرية.
وبدءاً من أواسط 2003، بات الهجوم على القرى، بدلاً من الهجوم على مواقع المتمردين، هو القاعدة وليس الاستثناء. وفي حين أن لدى الكثير من القرى الكبيرة قوات للدفاع عن النفس أول ما تشكلت في التسعينات من القرن الماضي كحماية ضد الغزاة العرب فإن الكثير من هذه القرى لا يمتلك سوى حضوراً عسكرياً هزيلاً أو لا يمتلكه على الإطلاق. ولم يكن لدى جيش تحرير السودان في دار مساليت، على الأقل عند زيارة هيومن رايتس ووتش، رجال مسلحون في القرى؛ فقد كانوا مختبئين في الوديان والكهوف الصخرية. وفي الحالات التي حاول فيها المتمردون التدخل في الغارات التي تتم على تجمعات المزارعين المساليت، كانوا يصلون بعد فوات الأوان وبعد وقوع الدمار والموت. وفي حالات أخرى فإن مجرد إخبارية عن وجود متمردين في سوق ما كانت كافية لشن غارة.
إن غالبية ضحايا الغارات على المساليت التي وثقتها هيومن رايتس ووتش كانوا من الرجال. وذلك يعود فيما يبدو إلى أن القرى الواقعة على طريق قوات الجنجويد والقوات الحكومية المعبأة كانت تتلقى تنبيهاً من الأصدقاء والأقارب وأبناء العشيرة، حيث كانوا يرسلون عدائين لتحذيرهم. وعليه فقد كان يتم إبعاد النساء والأطفال على الحمير إلى تشاد أو إلى أقرب بلدة، حين يتيح لهم الوقت ذلك؛ أو، حين لا يتيح لهم الوقت، يفرون على الأقدام إلى الوديان المجاورة حيث يختبئون بين الصخور والأشجار.
وفي معظم هذه الغارات، تبين أن قوات الحكومة والجنجويد كانوا يطلقون النار على المدنيين. والضحايا في جميع القرى، ما عدا القرى الصغيرة جداً، كانوا دائماً تقريباً بالعشرات، ووصل العدد في أقصى الحالات إلى 80 قتيلاً. وهذا الرقم مخيف نظراً لأن القرى المهاجمة لا يتعدى عدد سكانها بضع مئات. ومن المرجح أن عدد القتلى، غير المدون، كان يتزايد في الأيام والأسابيع التالية للغارة، حيث أن الجروح والمرض ومشقات النزوح تأخذ حتماً نصيبها من الموتى أيضاً.
لقد اتخذت المجازر وحالات القتل الجماعي للمدنيين في مناطق الفور والمساليت والزغاوة ثلاثة أشكال: إعدامات غير قانونية للرجال من قبل الجيش والجنجويد؛ وغارات ساهم فيها الجنجويد وجنود الحكومة على قدم المساواة وكانوا يقاتلون جنباً إلى جنب؛ وغارات قام فيها جنود الحكومة بدور مساند للجنجويد، أي "قصف تمهيدي" للقرى بأسلحة ثقيلة لا يملكها الجنجويد، وتقديم الدعم اللوجستي أو، كما أفاد الكثير من القرويين الذين قابلناهم، "تغطية انسحاب الجنجويد".11
وفي جميع الحالات كان عدد الجنجويد يزيد عن عدد الجنود الحكوميين، ولكنهم يصلون معهم ويغادرون معهم. ومن غير الواضح من هي القوة الآمرة. الواضح أن الجنجويد مطلقو العنان، ولا تكبحهم القوات الحكومية النظامية التي ترافقهم في شاحنات وسيارات الجيش.
وتستند التقارير التالية عن حالات القتل الجماعي إلى شهادات مدنيين مهجرين من القرى المعنية تكلموا إلى هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان 2004.12 وهذه التقارير غير كاملة بالتأكيد. إن تشتت المجتمعات وصعوبة الحصول على معلومات مفصلة من البلدات ومخيمات اللاجئين الواقعة تحت سيطرة الحكومة، يجعل من التحقيق أمراً عسيراً.
1. قرية مورورو، قرب حدود المساليت الفور: 40 قتيل في 30 أغسطس/آب 2003، قام الجنجويد والجنود الحكوميون بمهاجمة مورورو وحرقها، وسرقوا الماشية وقتلوا 16 شخصاً. وعادوا في اليوم التالي وقتلوا 24 آخرين، جميعهم من الذكور الشباب نظراً لأن النساء والأطفال قد هربوا مسبقاً. ونقلت التقارير أن أحد قادة المهاجمين قال بصوت عال: "علينا أن نخرج هؤلاء الناس من هذا المكان!".
وتفيد التقارير أن مجموعة الدفاع الذاتي الخاصة بالقرية كانت صغيرة جداً ولا يمكنها أن تقدم أي عون. في الأسابيع التالية عاد بضعة قرويين وبنوا بيوتاً بدائية لهم. ولكن في نوفمبر/تشرين الثاني عادت قوة كبيرة من الجنجويد والجيش وحرقوا القرية للمرة الثانية، مما تسبب بموت رجل أعمى. ومرة ثانية هجرت القرية.13
2. منطقة مورنيه، 12 قرية: 82 قتيل في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2003، هاجم الجنود والجنجويد 12 قرية في منطقة مورنيه وهي: دينغو وكوروما ووراي وهيدرا وأندرو وزابوني وتارانكا وسورتونو ونرجيبا ودوريسا ولانغا وفوجو، فقتلوا 82 شخصاً بينهم نساء وأطفال ومصلين في أحد الجوامع، وذلك وفق تقارير جمعها قادة محليون. وقال جمعة، وهو مزارع يبلخ من العمر 22 عاماً، وكان في ذاك الوقت يزور أقاربه في المنطقة، إن المطر كان غزيراً يومها حتى أن الجنود كانوا على صهوات الجياد.
وذكر جمعة إنه كان لدى بعض القرى قوات دفاع ذاتي، ولكنها كانت مستقلة عن جيش تحرير السودان وكانت دفاعية حصراً. وأكد أن "جيش تحرير السودان لم يكن في تلك المنطقة. كانوا في الجبال. لم يكن هدف الحكومة مطاردة جيش تحرير السودان. كان هدفها وضع العرب في القرى".15
وقال جمعة إن المنطقة تعرضت للحرق مرة ثانية في ديسمبر/كانون الأول.
3. مانغو، في منطقة تربيبا-أرارا: 20 قتيلاً على الأقل في نوفمبر/تشرين الثاني 2003، هاجم الجنجويد أربع قرى على الأقل قريبة من مانغو أنعار وباياد ونيورونغتا وشوشتا وبقوا في القرى بعد إحراقها. وقد أفاد إسحق، وهو مزارع من مانغو غوبي يبلخ من العمر 42 عاماً ، بأن حوامات مزودة برشاشات حطت أيضاً في المنطقة. وأضاف: "لم يسمح لأحد بالذهاب إلى أي مكان قرب المنطقة قبل قدوم الحوامات. اعتقدنا أنهم يجلبون أسلحة. بعد يومين أو ثلاثة قاموا بمهاجمة مانغو".16
في قرية واحدة فقط في تجمع مانغو، مانغو بوراتا، قتل الجنود والجنجويد عشرين شخصاً.17 وقد أفاد آدم، وهو مزارع يبلخ من العمر 41 عاماً ، أنهم سرقوا كل ماشية القرية وحرقوها بالكامل. وقال: "في نفس ذلك اليوم حرقوا 11 قرية. لم يتركوا بيتاً واحداً. في اليوم التالي جاءت طائرات الأنتونوف والحوامات. لماذا؟ كيف لنا أن نعرف؟ أعتقد أنها جاءت لترى إن كان ثمة ناج. فهي لم تقصف."18
وقال شريف، وهو مزارع في الخامسة والثلاثين من العمر، إن القرويين تمكنوا من دفن موتاهم في الليل، قبل مجيء الطائرات. بعدئذ غادروا إلى تشاد وهم لا يملكون شيئاً، وأخيراً تم طردهم على يد قوات مشتركة من الجنجويد والحكومة.
4. أوروم، قرب حبيلة: 112 قتيلاً في غارتين هوجمت أوروم، التي صارت مركز تجمع المساليت المدنيين الذين تم تهجيرهم من القرى المجاورة، مرتين. وأفادنا أحمد، البالغ من العمر 37 عاماً، وهو من سكان أوروم السابقين: "لماذا قتلوا كل هذا العدد من الناس في أوروم 122 في هجومين خلال شهر؟ لا أعلم. ولكنهم حرقوا العديد من القرى قبل أوروم وكان المدنيون في أوروم. والقرى التي حرقت هي غورورغ ودوريسا وتيرجا وماليام ومورورو وغورا وكوركوجوك".20
في المرة الأولى، في نوفمبر/تشرين الثاني 2003، نقل عن شهود عيان أن الجنجويد جاءوا من دون الجيش وأحرقوا ثمانين من أصل 300 كوخاً. أخذوا ثلاثة آلاف من رؤوس الماشية وقتلوا 42 رجلاً، معظمهم من الشباب. وقال الشاهد العيان أحمد: "في ذلك الوقت كان هناك جنازة لرجل ثمانيني يدعى يحيى عبد الكريم، وكان الناس في الجامع يقرئون عليه صلاة الجنازة".21 جرى قتل الإمام وحفيده الذي ليس له من العمر سوى 3 سنوات، ثم طارد المهاجمون الهاربين وأطلقوا عليهم النار أيضاً.
وحدثت غارة ثانية شارك فيها الجيش إلى جانب الجنجويد في الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول نقلت تقارير متنوعة أن ذلك كان في 6 أو 7 ديسمبر/كانون الأول 2003. عاد الجنجويد هذه المرة برفقة الجيش في الساعة السادسة صباحاً. سقط في هذا الهجوم، الذي استغرق أربعة أيام كان خلالها الجيش يأخذ دور المتفرج، ثمانون قتيلاً بينهم نساء وأطفال.
كان الجنود في سيارات اللاند كروزر تحمل رشاشات. وكان معهم شاحنة أيضاً. أما الجنجويد فجاءوا على الأحصنة والجمال. وبقي الجيش على حدود القرية، في حين دخلها الجنجويد وقتلوا 80 شخصاً بينهم نساء وأطفال في غضون أربعة أيام. وجرى كل ذلك على مرأى من الجيش.
وأضاف أحمد: "عدت في الليل ومكثت ثلاثة أيام. كانت الجثث في كل مكان. قمت بدفن 23 جثة. ولكن الجنجويد عادوا بعد أربعة أيام.23
5. منطقة باريه، شرق جينينا: 111 قتيلاً قام الجنجويد في ثلاث قرى في منطقة باريه أري وهاسكانيتا وتيرشانا ترافقهم ثلاث سيارات محملة بالجنود بقتل 111 شخصاً في يوم واحد، 11 ديسمبر/كانون الأول 2003، كما قال الناجون. وقد قال زعماء القرى إن هذه القرى كانت تضم ما مجموعه 485 كوخاً 80 و200 و250 بالترتيب وقتل فيها 23 و35 و53 شخصاً بالترتيب. ومن بين القتلى 23 امرأة ورجل في المائة من عمره، بارا يونس، من تيرشانا.
وأفاد آدم، وهو رجل من تيرشانا في الثانية والأربعين من عمره: "لم يتمكن بارا من المشي فحرقه الجنجويد حياً في كوخه. وجدوه في الكوخ وحرقوه".24
وأضاف آدم أن الغارة بدأت في التاسعة صباحاً. أحاطت القوات المشتركة بالقرية وقتلت 42 شخصاً وهم يلوذون بالفرار.
وقال الشاهد إن القرويين لم يقاوموا لأنهم عرفوا من وجود سيارات الجيش أن الغارة كانت أخطر من مجرد غزو لسرقة الماشية.
6. حبيلة كناري 25 كم إلى الشرق من جينينا: خمسون قتيلاً قام الجنود الحكوميين والجنجويد في 20 ديسمبر/كانون الأول 203 بمحاصرة القرية في السادسة صباحاً. بعد ساعة، حطت، حسب شهود عيان، ثلاث حوامات في القرية ونزل منها جنود. ثم دخل إلى القرية الجنود والجنجويد الذين كانوا ينتظرون خارج القرية. كانوا يرتدون لباساً موحداً، فيما عدا أن لباس الجنود كان أغمق قليلاً من لباس الجنجويد. نم عن الغارة حوالي 50 قتيلاً بمن فيهم 15 امرأة و10 أطفال وشرطي من المساليت من أصل 500 نسمة هم عدد سكان القرية (73 كوخاً). قتل البعض أثناء محاولته الفرار، والبعض قتلوا بالرصاص داخل أكواخهم.وقد صادر المهاجمون جميع الأسلحة من مركز الشرطة كما أخذوا سقف المركز المصنوع من التوتياء. استولى الجنجويد على الماشية وذهبوا. ثم قام الجنود بإحراق القرية.27
7. كوندولي في منطقة مستيري: 24 قتيلاً أفاد قرويون من منطقة مستيري أن الجنجويد جاءوا إلى مستيري في أواخر 2003. وقال أحد الشهود، نور الدين، وهو مزارع في الثامنة والعشرين من عمره، إنهم جاءوا من جينينا، في تسع سيارات عسكرية، ومعهم طعامهم. قال: "إنهم جاءوا في مجموعتين. المجموعة الأولى التحقت بموقع الجيش والمجموعة الأخرى التحقت بموقع الشرطة. وقد قاموا بأعمال الدورية في منطقة الغابات لمدة أسبوع".28
وفي إثر ذلك، في 28 ديسمبر/كانون الأول 2003، قتل الجنجويد والجنود 24 شخصاً بمن فيهم خمس نساء بينهم خميسة هارون (47 سنة) وشامه آدم (33 سنة) ومريم خميس (25 سنة) وعجيلة محمد (38 سنة) في قرية كوندولي، على بعد بضعة أميال من مستيري. وقد كان في كوندولي، التي تضم 150 كوخاً، حوالي ألف نسمة. وقد قال يحيى، وهو مزارع في الثانية والثلاثين من العمر، إن الجيش والجنجويد كانوا دخلوا القرية في اليوم السابق، في 27 ديسمبر/كانون الأول.
قال يحيى: "كنا خائفين وأردنا الهرب. ولكنهم قالوا لنا: لا، لا. لا نريد أن نؤذيكم. نحن الحكومة. لا تخافوا. نحن هنا لإنقاذكم". وقد تموضع "حماة" الجنجويد الأربع مئة في الجانب الشرقي من القرية. في اليوم التالي هاجموا كوندولي، مطلقين النار على طفل في الثالثة من عمره من مسافة قريبة، وهم يطلقون ألقاباً عرقية:
هرب الناجون إلى تشاد، على بعد أربع ساعات من السفر. "أخذوا كل شيء وحرقوا القرية بالكامل...لا نستطيع أن نعود في الليل لإحضار الطعام لأن الجنجويد على الطريق".30
8. نوري، قرب مورني: 136 قتيلاً في 29 ديسمبر/كانون الأول 2003 تمت مهاجمة نوري، وهي منطقة واسعة تتألف من عدة قرى تضم 900-1000 كوخاً، أو حوالي 7 آلاف نسمة، من قبل الجيش والجنجويد. وقد قال القرويون الذين تمت مقابلتهم كل على حدة إنه جرى قتل 170 قروي خلال 24 ساعة. وقالوا إن حوامتين قصفتا المنطقة قبل وصول القوات البرية. كانتا تطيران على علو منخفض بحيث كان بمقدور الناس في أكبر قرية، نوري جالو، أن يروا الطيار.
وقد قال علي، وهو ضابط سابق في الشرطة: "كان الناس خائفون جداً لأنهم لم يروا الحوامات من قبل. قالوا إن الحوامات كانت تطير على علو منخفض جداً بحيث لو رميت عليها شيئاً لأصبتها".31
وقال محمد، وهو طبيب في الثلاثين من عمره، إن ثلاث سيارات لاند كروزر محملة بالجنود والجنجويد جاءت إلى مركز الشرطة في نوري جالو قبل بدء الهجوم وسألوا عن جيش تحرير السودان. أجابت الشرطة: "ليس عندنا أحد منهم. فعلاً لا يوجد عندنا منهم أحد". وأضاف الدكتور محمد إن المهاجمين بعد ذلك أحرقوا القرية وقتلوا 75 شخصاً بمن فيهم خمس نساء. "معظم القتلى رجال لأن النساء والأطفال بقوا [مختبئين] في الأكواخ".32 وقد أحصي في أكبر قرية، نوري جبل، 40 جثة بينها سبعة أو ثمانية أطفال. وقد أخذ المهاجمون سقف مدرسة القرية المصنوع من التوتياء.
في نوري هيغليغ، وهي تضم 64 كوخاً، بدأ الهجوم في السابعة والنصف صباحاً، وقال فيصل، وهو مزارع في السابعة والعشرين من العمر، إن الجنجويد وعناصر الجيش كانوا يرتدون الزي نفسه حين دخلوا القرية:
وقال فيصل إن سبعة قرويين قتلوا. "ذهب الناس ليدفنوهم، ولكن الجيش والجنجويد عادوا ليحرقوا القرية. لقد أحرقوا كل شيء. لم يتركوا كوخاً واحداً. لم يكن لدى الناس متسع من الوقت سوى لتغطية الجثث بالعشب بسبب الحرارة. وقد قام الجيش والجنجويد بإحراق الجثث.."34
تعرضت منطقة نوري للهجوم مرة ثانية في 10 فبراير/شباط 2004. عاد الناس إلى المنطقة لأن مسئولي الحكومة المحلية في مورني وسيسي أخبروهم أن عليهم العودة.
وقال الدكتور محمد: "في الساعة العاشرة صباحاً، جاءت حوامة مسلحة تطير على علو منخفض، جاء بعدها الجنجويد تتبعهم سيارات اللاند كروزر. أحرقوا القرية بالكامل وقتلوا 38 شخصاً بينهم أربعة رجال كانوا يصلون في الجامع. شكلنا في 1996 مجموعة للدفاع الذاتي قتل الكثير منهم في ذلك اليوم. معظمهم لم يكن لديه سوى كلاشينكوف [بندقية هجومية]. ولم يكن لهم علاقة بجيش تحرير السودان. كانت قوات هذا الأخير بعيدة جداً. فجيش تحرير السودان لا يضع عناصره في القرى. فليس لديه الكثير من العناصر".35
9. كينيو، قرب فوربرانغا: 57 قتيلاً أخبر القرويون هيومن رايتس ووتش أن كينيو تعرضت لهجومين في غضون شهر واحد. في المرة الأولى، في ديسمبر/كانون الأول 2003، كان الناس يقظين وقاتلوا المهاجمين. أما في المرة الثانية، يناير/كانون الثاني فكان الناس نائمين حين جاء الجنجويد وسيارات الجيش عند الفجر من اتجاهين من الشرق ومن الغرب وبدأ الجنود القصف بأسلحة ثقيلة بما في ذلك الصواريخ الموجهة. وقد نقلت التقارير أن 57 شخصاً قتلوا من بينهم إمام القرية من أصل عدد سكان يبلغ 3500 نسمة (500 كوخ).
وأفاد آدم، وهو في الثانية والعشرين من العمر وانضم لاحقاً إلى جيش تحرير السودان:36 "ركض الناس دون أطفالهم لأن وابل النيران كان غزيراً. لم يتمكنوا من التوقف لالتقاط أطفالهم. قتل الكثير من الأطفال. أحرق كل شيء. وفي اليوم نفسه أحرقوا بورانغا. وقد نهبوا سوجو لكنهم لم يحرقوها".37
10. سيلدي، جنوب شرق جينينا: 12 قتيلاً تمت مهاجمة سيلدي جواً ومن ثم براً، في 7 فبراير/شباط 2004. وقال عبدول، وهو مزارع في الثانية والأربعين من العمر، أن طائرتي أنتونوف قصفتا القرية أولاً مما أدى إلى تدمير كوخين ودفع النساء والأطفال للهرب إلى التلال للاحتماء.
وقال: "ثم جاء الجنجويد والحكومة". قتل 12 في القرية ومن ثم أحرقت. وجرى قتل البعض عن قرب.
كلا الجنجويد والحكومة جاءوا إلى القرية وأطلقوا النار على القرويين. تمكن هذا الشاهد أن يميز بين عناصر الجنجويد وعناصر الجيش فقط عن طريق الشارات الموجودة على بدلاتهم.
وقال مزارع آخر في الأربعين من العمر أنه رأى طائرة أنتونوف واحدة في الثامنة صباحاً. وقال: "في التاسعة صباحاً جاء الجنجويد على ظهور الخيل والجمال ومن خلفهم سيارات الجيش".40 في الأيام القليلة التالية تم نهب وحرق ثلاثين قرية من سيلدي: عدد القتلى غير معروف.
11. تونفوكا، جنوب مورني: 26 قتيلاً في 7 فبراير/شباط 2004 هوجمت تونفوكا جواً وبراً، مما أسفر عن 26 قتيلاً وفق ما رواه قرويون لاجئون الآن في تشاد. فقد قال إسحق، وهو مزارع في الرابعة والعشرين من عمره، إن طائرتي أنتونوف قصفتا لمدة ساعة وخلفتا ثمانية قتلى بينهم ثلاثة رجال وثلاثة أطفال وامرأتين عجوزين. وقال إن القصف أدى إلى موت سبعة جمال و13 بقرة، وبدأت القرية تحترق.41
جاء الجيش بالعربات وبعد ساعة لحق بهم الجنجويد وهم يرفعون أصواتهم بشتائم عرقية، أطلقوا النار فأردوا ثمانية أشخاص قتلى ونهبوا الماشية، كما أفادنا هذا الشاهد:
وقد كان هذا المزارع، وهو من تونفوكا، يختبئ بين العشب على بعد 30 متراً فقط من الأكواخ، بحيث استطاع أن يعرف اسم قائد الجنجويد، إذ قال: "إن عبد الله شنيبات هو من كان يصدر الأوامر".
وبعد القصف الذي استمر ساعة، وبعد إحراق القرية والهجوم البري من قبل الجنجويد والجيش والذي أسفر عن قتل 26 شخصاً، فر الباقون إلى تشاد.
12. تولوس: 27 قتيلاً على الأقل في العاشر من فبراير/شباط 2004، قصفت طائرات أنتونوف قرية تولوس كمقدمة لهجوم الجنجويد على القرية. نجح معظم النساء والأطفال في مغادرة القرية قبل وصول الجنجويد. وحسب قول كلتوم، وهو في الثانية والأربعين من العمر، فإنهم أخطروا باقتراب الجنجويد، لكن هؤلاء ذهبوا يفتشون عنهم حيث كانوا يختبئون في الجبال:
وقال حسن، وهو أحد القرويين، إنه تم قتل أكثر من 12 رجلاً في القرية؛ وهناك مصادر ترفع الرقم إلى 23. وتقول التقارير أن 15 شخصاً قتلوا خارج القرية بينهم 7 نساء و6 أطفال بعضهم جرى تم التسديد عليه ورميه بدم بارد.45 كان حسين ابن الثانية عشرة يختبئ بعيداً عن القرية، خلف شجرة مع ثلاثة أطفال آخرين، حين أطلق الجنجويد النار عليه ثلاث مرات في الوجه والذراع الأيمن والساق اليمنى. وقد جرح ثلاثة أطفال آخرين كانوا مختبئين معه في الوقت نفسه:
وقال حسين إنه لا يعلم من أطلق النار عليه. حيث قال: "كانوا جميعاً يرتدون لباساً موحداً". كانوا بالتأكيد قريبين منه بما يكفي ليعرفوا إنه ولد. وأضاف حسين: "قبل أن يطلقوا النار علي قالوا: أنتم تورا بورا"، في إشارة إلى الجبال الأفغانية التي يعمل فيها مقاتلو القاعدة التابعين لأسامة بن لادن، وهذا تعبير يستخدمه الجنجويد عادة في إشارة إلى متمردي جيش تحرير السودان. ثم قال: "بعد ذلك أخذوا البقرات وتركوني وحدي. لا يوجد تورا بورا في تولوس. إنها قرية".47
قام أبو حسين بلف ابنه ببطانية وأخذه على الحمار إلى دويليم، على بعد 25 ميلاً، ومن ثم إلى تشاد. وقامت عائلات الأولاد الثلاثة الآخرين بأخذهم إلى مورني. بكلمات حسين: "رأونا، وجهوا بنادقهم علينا، أطلقوا النار علينا".48
13. تيربيبا: 26 قتيلاً هوجمت تيربيبا من قبل الجيش والجنجويد في 15 فبراير/شباط 2004 في السادسة صباحاً. وقال زعيم القرية، عبد الله (49 سنة)، إن هذه القوات قتلت 31 شخصاً،49 بمن فيهم العجائز والنساء وخمسة من عناصر جيش تحرير السودان جاءوا ليدافعوا عن القرية بعد ساعتين من بدء الهجوم.50
فقد قال: "كان في تيربيبا 500 أسرة، كنا نزرع البطاطا والخيار والبازلاء والدخن". وقد جاء 300 من الجنجويد على ظهور خيولهم مع أربع سيارات حكومية محملة بالجنود لمحاربة هذه الأسر الخمسين مع ثمانية عناصر من الشرطة من المساليت:
|