Human Rights Watch منظمة هيومان رايتس ووتش
   الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم PortuguesFrancaisRussianGerman
EspanolChineseEnglishOther Languages

United Arab Emirates



United Arab Emirates United Arab Emirates
  

V. استغلال عمال البناء المهاجرين

عملية التوظيف

يبدأ توظيف عمال البناء المهاجرين في بلدانهم. فعادة ما تقوم شركات التوظيف المحلية في البلدان المصدرة للعمالة، والتي تعمل لحساب شركات في الإمارات العربية المتحدة، بالإعلان عن طلب عمال لوظائف في الإمارات وتقوم بتسجيل العمال المتقدمين.26 وترسل شركات البناء مندوبين للتوظيف إلى البلدان المصدرة للعمالة مباشرة للعمل مع شركات التوظيف المحلية،27 أو تعتمد شركات البناء على شركات توظيف في الإمارات تعمل كوسيط بين شركات الإمارات المستخدمة للعمال ووكالات التوظيف في البلدان المصدرة للعمالة.28

وهناك أيضاً في الإمارات شركات تستقدم العمال المهاجرين من أجل غرض وحيد هو تشغيلهم من الباطن لدى مستخدمين آخرين، بما في ذلك شركات البناء، في وظائف لمدد طويلة أو قصيرة29 وتُعرف هذه الشركات باسم "وكالات توريد العمال".

ولا يسمح قانون العمل بالإمارات العربية المتحدة رقم 8 لسنة 1980 (القانون الاتحادي الذي ينظم علاقات العمل في شتى أنحاء البلاد – انظر القسم المعنون "قانون العمل في الإمارات العربية المتحدة" أدناه) سوى لمواطني الإمارات الحاصلين على ترخيص من وزارة العمل بكفالة عمال مهاجرين. وهذا ينطبق على المستخدمين الذين يوظفون العمال المهاجرين مباشرة كما ينطبق على الشركات التي تعمل كوسيط في عملية التوظيف.30

وبموجب قانون العمل في الإمارات، ينبغي لأصحاب الأعمال أن يدفعوا بعض الرسوم للحكومة عن كل عامل أجنبي يستقدمونه للبلاد. وتشمل هذه الرسوم رسم طلب تأشيرة دخول للعمل قدره 200 درهم (55 دولاراً أمريكياً) ورسم إصدار تأشيرة دخول للعمل قدره ألف درهم (273 دولاراً أمريكياً).31 وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي للمستخدمين توفير تذكرة طيران للعامل المهاجر كي يسافر من بلده إلى الإمارات العربية المتحدة.

ويحظر القانون في الإمارات بوضوح على مستقدمي العمال من مواطني الإمارات تقاضي أية رسوم من العمال المهاجرين الذين سيتم استقدامهم.32 غير أن هذا الحظر يتعرض فيما يبدو للمخالفة صراحةً من جانب وكلاء استقدام العمال في الإمارات، وكذلك وكلاء التوظيف في البلدان المصدرة للعمالة الذين يتقاضون من العمال هذه الرسوم بدلاً من تحميلها لمن سيستخدمونهم. وقد تحدث باحثو هيومن رايتس ووتش مع خمس من وكالات استقدام العمال فيما يتعلق باستقدام عمال البناء. وأكدت أربع من الوكالات الخمس أنها تتوقع من العمال أن يدفعوا رسوم التأشيرة والسفر، التي يقضي قانون الإمارات بأن يتحملها المستخدمون وحدهم. كما أبلغ أحد مستقدمي العمال باحث هيومن رايتس ووتش بأن "المرشحين [العمال المهاجرين] يتحملون تكاليف التأشيرة والسفر. نحن نحصل هذه الرسوم من المرشحين وندفعها لشركات البناء التي تقدم الطلبات للحصول على تأشيرات لهم. هذا بالطبع غير مشروع ولا يمكني أن أدونه في عقد مكتوب؛ يتم هذا بالدفع نقداً. ونحن نفعل ذلك طوال الوقت."33 وقالت وكالة أخرى لاستقدام العمال في دبي "نحن [الوكالة] نتولى تكاليف النقل والإعلان وغيرها من التكاليف. وبإمكاننا تقاضي المبالغ من المرشحين. فالمرشحون يغطون جميع التكاليف، بما في ذلك رسوم التأشيرة وتذاكر الطيران."34 وقال وكيل ثالث "يمكنني أن أورد لأية شركة عشرة، أو مئة، بل وألف عامل. فنحن نقابلهم ونختارهم في الهند وباكستان. وبالنسبة للعمال غير المهرة لا نتقاضى من المستخدم أي شيء. فالمرشحون يدفعون تكاليف التأشيرة والنقل."35

وأكد العمال الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش الحقائق نفسها: فقد قال كل عامل بناء قابلته هيومن رايتس ووتش إنه طُلب منه أن يدفع مقدماً تكاليف السفر والتأشيرة لوكالة التوظيف في بلده.

ويعمل ناتارانجان لدى شركة للبناء والمساحة في دبي، وهو من ولاية كيرالا في الهند، وقابلته هيومن رايتس ووتش، هو و19 عاملاً هندياً آخر يعملون لدى الشركة نفسها. وقال ناتارانجان:

دفعت 100 ألف روبية هندية (2200 دولار أمريكي) لوكالة في الهند للحصول على تأشيرة للمجيء هنا والعمل. كل منا يدين بكثير من المال لوكلاء التوظيف في بلدنا.36

ووصف ستار، وهو عامل بناء من الهند أيضاً، عملية التوظيف نفسها قائلاً:

عمري 42 عاماً وأنا من راجستان في الهند، ومتزوج ولدي ثلاثة أبناء. وفي عام 2003 رأيت إعلاناً لوكالة تعلن عن وظائف في دبي. ودفعت لوكالة توظيف في الهند 80 ألف روبية هندية (1788 دولاراً أمريكياً). وغطى هذا المبلغ رسوم التأشيرة وتذكرة الطيران ورسوماً طبية. وقد اقترضت المبلغ من الأصدقاء والأقارب.37

كما أبلغ بعض عمال البناء الذين استُقدموا من باكستان هيومن رايتس ووتش بأنهم دفعوا "رسوم التأشيرة" مقدماً. فقد قال علي، الذي يعمل لدى شركة آل حامد للإنماء والتعمير، إنه يعمل في الإمارات منذ خمسة أعوام. وأضاف "دفعت لوكالة في باكستان 150 ألف روبية باكستانية (2500 دولار أمريكي) للحصول على التأشيرة حتى آتي إلى هنا. وقد اقترضت المبلغ من الأصدقاء والأقارب. واحتجت إلى عامين لأسدد ذلك المبلغ."38

ويلجأ بعض العمال، الذين لا يمكنهم تدبير المال اللازم لرسوم التأشيرة من خلال الاقتراض من الأصدقاء والأقارب أو بيع أرض، إلى الاستدانة من وكالات التوظيف بفائدة شهرية باهظة. فقد روى ثلاثة من عمال البناء من بنغلاديش لهيومن رايتس ووتش كيف اقترض كل منهم 150 ألف تاكا بنغلاديشية (2210 دولارات أمريكية) من وكالة محلية للحصول على التأشيرة. وقالوا إنهم دفعوا فائدة شهرية تبلغ 11 في المئة على القروض.39 وقال ناندي، وهو عامل بناء هندي يعيش في معسكر القوز للعمل على مشارف مدينة دبي، إنه اقترض مبلغاً قدره 85 ألف روبية (1880 دولاراً أمريكياً) من وكيل في الهند ويدفع عليه فائدة شهرية 10 في المائة.40

ولا يتوقف تقاضي الرسوم بشكل غير مشروع من العمال بالضرورة بعد إتمام عملية التوظيف. فقد قال عامل باكستاني في دبي يدعى علي لهيومن رايتس ووتش "تخصم الشركة [التي يعمل لديها] رسوماً من مرتبي مقابل نفقات من المفترض أن تتحملها الشركة بموجب القانون. فعلي أن أدفع 900 درهم (245 دولاراً أمريكياً) لتجديد التأشيرة. وتستقطع الشركة هذا المبلغ من مرتبي على أقساط. كذلك يُخصم كل ثلاثة أعوام 500 درهم (136 دولاراً أمريكياً) لتجديد بطاقة تصريح العمل. وتتكلف البطاقة الصحية 300 درهم (82 دولاراً) وتخصم الشركة هذا المبلغ من مرتبي كل عام."41

عدم دفع الأجور

يُعد قيام الشركات المستخدمة للعمال بحجب أجورهم أكثر شكاوى عمال البناء في الإمارات العربية المتحدة شيوعاً، والتي تمثل أيضاً على ما يبدو أساس الغالبية العظمى من المنازعات العمالية التي تنظرها وزارة العمل والهيئات المختصة بالعمل في دبي (انظر أدناه، "الآليات الحكومية للتصدي للمنازعات العمالية"). وقال جميع العمال الستين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إن الشركات التي يعملون لديها تحجب أجورهم بصورة معتادة، وكان كثير من العمال الذين تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش يستحقون أجوراً متأخرة وقت إجراء المقابلات معهم. ويُعتبر تأثير عدم دفع الأجور، حتى ولو لشهر واحد، بالغ الخطورة بالنسبة للعمال، فنتيجته الفورية هي تأخرهم في دفع أقساط وفوائد القروض التي يدينون بها لوكالات التوظيف في بلدانهم؛ ومن ثم تُستحق عليهم فوائد إضافية؛ كما أنهم لا يتمكنون من إرسال أموال إلى أسرهم في بلدانهم التي تعتمد على الدخل الذي يكسبونه من العمل في الإمارات العربية المتحدة. وفي بعض الحالات يؤدي عدم دفع الأجور إلى عجز العمال عن شراء الطعام أو السلع الأساسية وينتهي بهم الحال إلى اقتراض المال لمجرد الحفاظ على حياتهم.

ويبدو أن حجب أجور شهر ونصف الشهر أو شهرين "كضمان" لمنع العمال من "الهرب" إلى وظائف أفضل أمر مقبول بصفته "عرفاً" بين شركات البناء في الإمارات العربية المتحدة.42 وعندما يحتج العمال أو يشكون بخصوص احتجاز أجورهم لا تتعلق شكواهم بهذا الحجب "العرفي"، بل بعدم دفع الأجور بعد هذه المدة. وبطبيعة الحال لا أساس في القانون لعدم دفع الأجور سواء في هذه الفترة أو بعدها، فواقع الأمر أن حجب الأجور يمثل انتهاكاً لقانون الإمارات الذي يقتضي دفع الأجور للعمال في الأوقات المحددة والاحتفاظ بسجلات يمكن التحقق منها.43 وقد أوضح مسئولو شركات البناء والعمال أن شركات البناء تحجب الأجور فترات تتجاوز شهري "الضمان" عندما تتعرض لمشاكل في السيولة النقدية، إلا إن هذا التفسير قد لا يكون جديراً بالتصديق في كل الحالات، وخصوصاً في سياق الطفرة العمرانية في دبي.44

وقد أدى عدم دفع الأجور إلى عدد من الاحتجاجات العلنية من جانب عمال البناء. ففي 19 سبتمبر/أيلول 2005، قام عمال "شركة آل حامد للإنماء والتعمير" بواحد من أكبر الاحتجاجات العلنية في الإمارات العربية المتحدة. وتُعد "شركة آل حامد للإنماء والتعمير" "من شركات البناء المحلية الرائدة في الإمارات العربية المتحدة"، إذ يفيد موقع الشركة على الإنترنت بأنها "حققت على مدى فترة السنوات السبع ونصف السنة الماضية نمواً لم يتحقق من قبل في صناعة البناء محلياً أو إقليمياً بل وربما عالمياً".45 وحتى مايو/أيار 2006، كان للشركة 23 مشروعاً قيد البناء قيمتها الإجمالية 1.236.822.793 درهماً (336.738.270 دولاراً أمريكياً).46

وفي إطار الإضراب، قام 800 عامل بسد الطريق الرئيسي في دبي احتجاجاً على امتناع الشركة عن دفع أجورهم على مدى أربعة أشهر، من مايو/أيار إلى أغسطس/آب 2005. وكان هؤلاء ضمن سبعة آلاف عامل يعملون لدى "شركة آل حامد" لم تدفع الشركة أجورهم.47

وقد تدخل وزير العمل، علي بن عبد الله الكعبي، على الفور وطلب من الشركة أن تدفع الأجور المتأخرة "خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة".48 وأشادت وسائل الإعلام المحلية بالتدخل السريع من جانب الوزير باعتباره علامةً على تصميم الحكومة على أن تبعث برسالة قوية إلى شركات البناء تفيد بأن امتناعها عن دفع الأجور لن يُقبل بعد الآن.49

إلا إن عاملاً باكستانياً يعمل لدى "شركة آل حامد"، يُدعى علي، أبلغ هيومن رايتس ووتش بأنه حتى إبريل/نيسان 2006 لم تكن الشركة قد دفعت سوى مرتبات شهرين من أجور الأشهر الأربعة المتأخرة، ولم تدفع مرتب شهر جديد منذ احتجاج سبتمبر/أيلول وتدخل الحكومة، وهو الأمر الذي يعني أن "شركة آل حامد" ما زالت تدين لعمالها بمرتبات ثلاثة أشهر. ولم تفرض الحكومة غرامة على الشركة ولم تعاقبها بأي شكل آخر. وفضلاً عن ذلك، فصلت الشركة قادة الإضراب وتم ترحيلهم. ووصف علي (الذي سبق ذكر شكواه من قيام الشركة بتقاضي رسوم التأشيرة وغيرها من الرسوم من العمال بشكل اعتيادي) الوضع الذي دفع العمال للاحتجاج علناً في سبتمبر/أيلول 2005 قائلاً:

قبل إضراب سبتمبر/أيلول، لم تكن الشركة قد دفعت أجورنا لأربعة أشهر. وكنا نشتري الطعام من مقصف في معسكر العمل الذي نقيم به. وفي سبتمبر/أيلول، توقف المقصف عن البيع بالدين ولم يكن معنا أي مال. وكانت تلك هي القشة الأخيرة التي أجبرتنا على القيام بعمل حاسم.

وخلصنا في النقاش فيما بيننا إلى أنه إما إنه سيتم ترحيلنا بسبب الإضراب وإما إنه سيؤدي لحصولنا على أجورنا المتأخرة. ولم يكن لنا خيار، وكنا مستعدين لتحمل المخاطرة.

وفي سبتمبر/أيلول، أضرب العمال. وقام من كانوا منا في دبي بنقل الاحتجاج إلى العلن من خلال سد الطريق الرئيسي في دبي، طريق الشيخ زايد. وجاء مسئولون حكوميون من مجلس للتحكيم ووعدوا العمال بالتصدي لشكاواهم. ودُفع لنا على الفور أجر شهرين من الأشهر الأربعة المتأخرة....

ولكن حتى الآن لم يقتصر الأمر على عدم حصولنا على أجور الشهرين الآخرين، بل وباتت الشركة تدين لنا بمرتب شهر آخر منذ الإضراب. ورحلت الشركة قادة الإضراب من البلاد. فمنذ الإضراب تدهورت الأمور.

أنا أحصل على مرتب ثابت قدره 750 درهماً (204 دولارات أمريكية) في الشهر مقابل العمل ستة أيام في الأسبوع. وتجبرنا الشركة على العمل 11 ساعة في اليوم دون أجر عن ساعات العمل الإضافية. فأنا أغادر المعسكر في السادسة صباحاً وأعود في السابعة مساء.

ولم أحصل على أيام عطلة في السنوات الثلاث الأخيرة. وقد وعدوني بشهر عطلة كل عامين. وعندما أسأل مديري الشركة لا يقدمون أي سبب. ولم يحصل الأشخاص المختلفون على عطلتهم لمدد مختلفة.50

وفي 14 يوليو/تموز 2006، استفسرت هيومن رايتس ووتش، في رسالة إلى وزير العمل، عن أية خطوات اتُخذت لحل مشكلة الأجور المتأخرة لعمال "شركة آل حامد" ومحاسبة الشركة على الانتهاك المستمر لحقوق العمال (انظر الملحق). وقد تلقت هيومن رايتس ووتش رداً من حكومة الإمارات العربية المتحدة، بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول، ولكنه لم يتطرق إلى الإجابة عن هذه الاستفسارات.51

ويبدو أن ظاهرة عدم دفع الأجور في قطاع البناء تتفشى، على وجه الخصوص، في الشركات الصغيرة التي تستخدم أقل من 100 عامل، كما تبين الحالات التالية.

يعمل محمود أ. في شركة صغيرة "لتوريد العمال" (شركة توفر العمال للشركات الأخرى)، وذكر أنه وزملاءه لم يتلقوا أجورهم لخمسة أشهر، ووصف محنتهم قائلاً:

لم نتلق أجورنا على مدى الشهور الخمسة الأخيرة من سبتمبر/أيلول 2005 إلى فبراير/شباط 2006. نحن 23 في هذا الوضع. وقدمنا شكوى إلى اللجنة الدائمة لشؤون العمل في دبي.

ونحن نطلب من مستخدمنا أن يعطينا أوراق إعفاء من العمل لديه حتى نستطيع العمل لدى مستخدم آخر. وعرضت الشركة أن تدفع لنا مرتب شهر لإعفائنا مع الاحتفاظ ببقية الأجور التي تدين لنا بها... مقابل إعفائنا.

وتقول الشركة، منذ 15 ديسمبر/كانون الأول 2005، إنها ليس لديها عمل لنا. وعرضت الشركة نقل كفالتنا إلى مستخدم آخر. وذهبت وتحدثت مع عمال هذه الشركة الجديدة، وسألوني لماذا أريد العمل هناك؟ وقالوا إنهم هم أنفسهم لم يحصلوا على أجورهم لفترات تتراوح بين أربعة وستة أشهر.

ومعسكرنا منزل ريفي به خمس غرف. ونحن 23 فرداً نقيم به

وفي بعض الحالات هرب أصحاب شركات البناء الصغيرة دون دفع أية أجور لعمالهم، تاركين العمال في مأزق لا سبيل معه للحصول على أجورهم. وكان ستار، العامل الهندي الوافد من راجستان، والذي سبقت الإشارة إليه آنفاً، يعمل لدى شركة صغيرة تستخدم عشرة عمال فحسب. وقابلت هيومن رايتس ووتش ستار وأربعة من زملائه حيث وصفوا بالتفصيل هرب مستخدمهم بهذه الطريقة، فقد قال:

وصلت إلى دبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2003. كنا نعمل لدى شركة صغيرة كفلتنا وجاءت بنا إلى هنا. وبنينا مخزناً وفيلتين. وكنا نقيم منذ جئنا إلى هنا في مواقع البناء. وكنا نتقاضى أجراً قدره 600 درهم (163 دولاراً أمريكياً) في الشهر.

وبدءاً من ديسمبر/كانون الأول 2004، كف المستخدم عن دفع أجورنا. وظللنا نعمل لديه حتى أغسطس/آب 2005 دون أن نتلقى أجراً. وقدمنا شكاوى إلى المحاكم. كل ما أريده هو أن أحصل على أجوري المتأخرة وأعود إلى بلدي.53

وبالإضافة إلى الحرمان من الأجر، يتعرض العمال الذين تخلى عنهم مستخدموهم لظروف بالغة الخطورة. وقد قابلت هيومن رايتس ووتش 23 من عمال البناء الذين يعيشون في معسكر للعمل خاص "بشركة الساحل الشرقي والحمرية" في الشارقة. ويتألف المعسكر من عدة منازل متنقلة في حالة متهالكة، فالمراحيض طافحة، والكهرباء مقطوعة عن المعسكر لأن الشركة لم تدفع الفواتير. ويخشى العمال أن ترحلهم الحكومة لأن تأشيرات الدخول للعمل الخاصة بهم مرتبطة بالشركة التي تستخدمهم.

وقدم أحد العمال في المعسكر، وهو هندي عمره 30 عاماً يُدعى بانواري، موجزاً تاريخياً للمشاكل التي عاناها العمال مع الشركة، قائلاً:

لم تدفع لنا الشركة أجورنا قط بانتظام. ولم نتلق أجورنا لسبعة أشهر. وقد أفلست الشركة الآن. وفي يناير/كانون الثاني 2005، قدمنا شكاوى إلى وزارة العمل ومحكمة الشارقة الاتحادية. وفي 13 إبريل/نيسان 2005، أصدرت محكمة الشارقة الابتدائية الاتحادية حكماً في صالحنا ضد الشركة. لكننا لم نتمكن من الحصول على أي من الأموال المستحقة لنا لأن صاحب الشركة، وهو لبناني، هرب إلى كندا.54

وقدم عمال "شركة الساحل الشرقي والحمرية" لهيومن رايتس ووتش نسخاً من وثائق المحكمة تظهر بها الأحكام الصادرة على الشركة. وقضت محكمة الشارقة بأن الشركة تدين لعمالها بمبالغ تتراوح بين 10037 درهماً (2733 دولاراً أمريكياً) و21402 درهم (5827 دولاراً)55 لكن لم يتمكن أي من العمال من الحصول على مستحقاته.

ومضى بانواري قائلاً "على مدى العام الأخير ذهبنا عدة مرات إلى محكمة الشارقة نطلب من السلطات تنفيذ الحكم. لكنها تقول إنها ليس بيدها شيء آخر." وأضاف "سننتظر هنا أن تدفع لنا الشركة إلى أن نموت أو ننتحر." ملخصاً شعور العمال بالقنوط واليأس.56 ولم تتضمن الأحكام التي أصدرتها المحكمة في القضية فرض أية عقوبة مالية أو عقوبة سجن على المستخدم كما يقضي القانون في الإمارات العربية المتحدة (انظر أدناه).

فموجب قانون الإمارات العربية المتحدة، ما كان بمقدور "شركة الساحل الشرقي والحمرية" أن تسجل نشاطها دون إدراج أحد المواطنين كشريك. وبرغم أن مدير مشروع سابق بالشركة أكد لهيومن رايتس ووتش أن الشركة أفلست وأن صاحبها اللبناني هرب إلى كندا،57 فلا يزال من غير الواضح لماذا لا يُحاسب الشريك، وهو من مواطني الإمارات. واستفسرت هيومن رايتس ووتش في خطابها إلى وزير العمل في يوليو/تموز عن هذا. ولم يتضمن خطاب الرد الذي أرسلته حكومة الإمارات إجابةً محددةً عن هذا السؤال.58

ويجد العمال الذين حُجبت أجورهم أنفسهم فعلياً في مأزق لا فكاك منه ولا سبيل يُذكر، أو لا سبيل على الإطلاق، يمكنهم اللجوء إليه. فلا يمكنهم ترك أعمالهم ببساطة والعودة إلى بلادهم، لأنهم لا يزالون مدينين لوكلاء التوظيف، وأملهم الوحيد لتسديد ديونهم هو أن يظلوا في وظائفهم على أمل الحصول على أجورهم في نهاية الأمر. ووصف أحد العمال الوضع لهيومن رايتس ووتش قائلاً: "لا يمكننا العودة فحسب. فكل منا يدين بكثير من المال لوكلاء التوظيف في بلده. كيف نستطيع العودة وقد استدنا مثل هذه الديون الضخمة؟"59

وفي شكل آخر من أشكال الامتناع عن دفع الأجور يقوم المستخدمون، كما تفيد عديد من الحالات التي كتبت عنها الصحافة، "بتبديل العقود" للعمال المهاجرين، حيث يوظفونهم من خلال وعدهم بأجور أعلى ثم يدفعون لهم مرتبات أقل. وقالت مجموعة عمال البناء الهنود العشرين الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إن مستخدمهم يدفع لهم نصف المرتب الذي وُعدوا به وقت توظيفهم. وقال أحدهم، ويُدعى ناتارانجان، لهيومن رايتس ووتش:

كنا زهاء 60 عاملاً نعمل لدى شركة للبناء والمساحة. وقد دفعت 2300 دولار لوكالة في الهند للحصول على تأشيرة والمجيء إلى هنا للعمل. وكنا نتلقى في الأشهر الستة الأولى 250 دولاراً في الشهر. ثم أُغلقت الشركة قبل شهر. ويملك صاحب الشركة شركة أخرى، وهو يريد منا العمل في تلك الشركة مقابل خمسة دولارات في اليوم. وهذا نصف ما كنا نتقاضاه من قبل.60

وبينما يمكن لأصحاب العمل "تبديل العقود"، لا يتمتع العمال بحرية تغيير وظيفتهم والعمل لدى مستخدم آخر. فتغيير الوظيفة داخل الإمارات بالنسبة للعامل المهاجر عملية بيروقراطية مضنية وتتطلب موافقة المستخدم الأصلي. فبادئ ذي بدء تقتضي لوائح العمل من العامل أن يكمل عامين في خدمة مستخدمه الحالي قبل أن يكون من حقه العمل لدى مستخدم آخر.61 ولا يمكنه العمل إلا في وظيفة من نفس النوع، وينبغي عدم توافر عامل من المواطنين لشغل الوظيفة.62 والأهم من ذلك أنه لابد للعامل، حتى يتمكن من العمل لدى مستخدم جديد، أن يحصل على "خطاب عدم ممانعة" من مستخدمه الحالي، وأن يطلب من وزارة العمل تسجيل تأشيرته وتصريح العمل الخاص به باسم المستخدم الجديد.63 ولما كان المستخدمون يحتفظون عادةً بجوازات سفر العمال (انظر أدناه)، فإن ذلك يزيد من صعوبة تغيير العامل لوظيفته. وقال ناتارانجان مفسراً: "نحن نريد من مستخدمنا أن يعطينا ’خطاب عدم ممانعة‘ حتى يمكننا البحث عن مستخدم آخر والحصول على أجر لائق. لكنه يقول ’إما أن تعملوا مقابل خمسة دولارات في اليوم وإما أن ألغي تأشيراتكم وعندئذ سيتعين عليكم العودة إلى الهند."64

انخفاض الأجور

يُعد انخفاض الأجور من بين الشكاوى الأخرى الأساسية لعمال البناء. وتبدي الحكومة عزوفاً عن وضع حد أدنى للأجور، برغم وجود تكليف قانوني بذلك يرجع إلى عام 1980 (نتعرض لهذا بمزيد من المناقشة في القسم المعنون "قانون العمل في الإمارات العربية المتحدة" أدناه).

وفي 21 مارس/آذار 2006، قام قرابة 2500 عامل في "البلدة القديمة"، وهي قسم تجاري في مجمع برج دبي، حيث يجري بناء أعلى برج في العالم، بالاحتجاج على ظروف عملهم وانخفاض أجورهم65 ونحا الاحتجاج إلى العنف بعد أن قام العمال بأعمال شغب في نهاية نوبة عملهم اليومية. وكان العمال ينتظرون منذ ساعات إعادتهم إلى معسكر العمل الذي يقيمون به.66 وقال س. كومار، وهو عامل هندي حضر الاحتجاج لكنه لم يشارك في أعمال الشغب، لهيومن رايتس ووتش:

أعمل في موقع برج دبي. وأتقاضى 38 درهماً [10.50 دولار أمريكي] مقابل العمل ثماني ساعات يومياً. وأجري أعلى من أجور العمال الذين وصلوا أخيراًَ لأنني أعمل لدى الشركة منذ 11 عاماً. العمال الجدد يتقاضون 28 درهماً [7.60 دولار أمريكي] يومياً وهم مستاءون من ذلك.

وكان أغلب العمال الذين قاموا بأعمال الشغب في 21 مارس/من العمال الجدد. وقد كانوا مستاءين لأننا بعد أن تنتهي نوبة عملنا ننتظر ما يزيد على الساعة لنقلنا من الموقع. وفي ذلك اليوم تأخرت الحافلات لساعات. وبدأ العمال يتذمرون. وبدأت قوات الأمن التابعة للشركة تتحرش بهم وتوجه لهم شتائم. وأدى هذا إلى أعمال الشغب. وكان العمال الجدد يطالبون بزيادة الأجور.67

وفي احتجاج آخر في الآونة الأخيرة، أضرب ألوف من عمال شركة "بيسيكس"، وهي شركة ضخمة للتشييد مقرها بروكسيل، مطالبين بزيادة أجورهم. ففي 16 مايو/أيار 2006، أضرب ما يربو على ثمانية آلاف من عمال شركة "بيسيكس" ورفضوا استئناف العمل إلى أن يلبي مستخدموهم مطالبهم.68 وقال أحد العمال المضربين للصحفيين:

لن نعود إلى العمل إلى أن تُلبى مطالبنا. نحن نتقاضى 106 دولارات في الشهر وكل ما نطالب به هو أن نتقاضى 163 دولاراً في الشهر. وعرضت الشركة زيادة المرتبات بالنسبة لمن يعملون [لدى بيسيكس] منذ ما يزيد على عشر سنوات، لكن هؤلاء أقلية بين الناس هنا. ونحن لا نقبل ذلك.69

ورَحَّلَت الحكومة 50 من عمال "بيسيكس" رفضوا إنهاء الإضراب. وفي تصريح لصحيفة "كونستراكشن ويك"، قال فيليب ديسوا، نائب المدير العام لشركة "بيسيكس كونستراكت"، التابعة لشركة "بيسيكس"، بأن "الشرطة أخذت زهاء 50؛ لم يُرغموا على الذهاب، بل ذهبوا طوعاً. لم يرغبوا في العودة إلى العمل."70

مصادرة جوازات السفر

يُحظر على أصحاب الأعمال في الإمارات العربية المتحدة مصادرة جوازات سفر موظفيهم، ومع هذا فعادةً ما يفعل المستخدمون ذلك، إذ يحتجزون جوازات سفر عمالهم مدة عملهم، وهم يفعلون ذلك عادة لضمان عدم هرب الموظفين. وقال جميع العمال المهاجرين المائة والسبعة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش (عمال بناء وآخرين – انظر "المنهجية" أعلاه) إن مستخدميهم صادروا جوازات سفرهم بمجرد وصولهم إلى الإمارات العربية المتحدة.71

وأبلغ المقدم راشد بخيت الجميري، المدير المساعد للمتابعة والتحقيق في دائرة شؤون الجنسية والإقامة في دبي، هيومن رايتس ووتش بأنه وفقاً للقانون "ينبغي [للمستخدمين] ألا يحتفظوا بجوازات السفر." لكنه برر هذا الإجراء بقوله: " وأبلغ الرائد عارف محمد باقر، نائب مدير إدارة حقوق الإنسان بشرطة دبي، هيومن رايتس ووتش بأن الشركات تبرر هذا بأنه عرف وكذلك بأنه إجراء لحماية مصالحها:

تقول الشركات إن الاحتفاظ بجوازات السفر جزء من أعراف العمل. وتبرره بقولها إنه يمنع العمال من سرقة المال أو الأسرار والمعلومات التجارية من الشركة. كذلك يقول المستخدمون إنه يمكنهم من خلال الاحتفاظ بجوازات سفر عمالهم ضمان أن يحصلوا على عائد على المال الذي يستثمرونه في كل عامل في صورة رسوم التأشيرة وغيرها من النفقات.73

وقد قضت محاكم الإمارات العربية المتحدة بشكل محدد بأن هذا الإجراء غير قانوني. ففي عام 2001، أصدرت محكمة النقض في دبي الحكم التالي:

لا يجوز لصاحب العمل أن يصادر جواز سفر الموظف ويمنعه من حقه الطبيعي في السفر والانتقال أياً كانت طبيعة العلاقة التي تربط بينهما. فمصادرة جواز السفر من صاحبه ليست إلا وسيلة من الوسائل الكثيرة التي تمنع الموظف من السفر، وهذا يحكمه نص المادة 329 من قانون الإجراءات المدنية الذي يحدد الحالات التي يجوز فيها المنع من السفر ويشترط أن يصدر هذا الأمر عن قاض وفقاً للإجراءات الرسمية والعملية المحددة في القانون.74

ومن خلال احتجاز جوازات سفر العمال يمارس المستخدمون سيطرة مفرطة على عمالهم. وبالرغم من تأكيد الحكومة ومحاكم الإمارات العربية المتحدة على عدم قانونية هذا الإجراء، فلم تتخذ الحكومة أية خطوات لوضع حد له.

السلامة والأخطار الصحية

حالات الوفاة والإصابة في حوادث العمل

يمثل نطاق حوادث الوفاة والإصابة بين العمال المهاجرين واحداً من أكثر جوانب قطاع البناء في الإمارات إثارة للقلق برغم الافتقار إلى توثيق لتلك الحوادث. فكما يتضح أدناه، لا توجد على ما يبدو أية إحصاءات حكومية رسمية تغطي سائر أنحاء البلاد بشأن حالات الوفاة والإصابة بين عمال البناء. ولا تغطي الأرقام القليلة المتاحة من المصادر الحكومية إلا دبي، وحتى هذه الأرقام تبدو أدنى كثيراً من الأرقام التي جمعتها المصادر غير الحكومية. ويمكن أن يُعزى تباين الأرقام في جانب منه إلى قلة الحالات التي تبلغ فيها الشركات الحكومة بوقوع حوادث الوفاة والإصابة.

وقد سجلت بلدية دبي وقوع 34 حالة وفاة بين عمال البناء في أماكن عملهم في 2004 و39 حالة في 2005.75 وخلص بحث مستقل أجرته صحيفة "كونستراكشن ويك" المتخصصة في مجال البناء إلى أ