![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Jordan Jordan ![]() |
VII. الجماعات ذات الأوضاع الهشة
تستند "المعاملة الصامتة" للعراقيين من جانب الأردن، جزئياً، إلى إنكار أن هؤلاء العراقيين الموجودين في الأردن لاجئون في واقع الأمر. وقد لخص مسئولٌ أردني موقف الحكومة عندما قال لنا أن الأردن لا يواجه مشكلة لاجئين على الإطلاق، بل مشكلة "هجرة غير شرعية لا تختلف في شيء عن المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة مع المكسيكيين".195 أما الرسالة التي بعثت بها الحكومة إلى المفوضية العليا للاجئين في أبريل/نيسان 2005 ومفادها أن على المفوضية تطبيق نظام الحماية المؤقت على اللاجئين "بعد أن انتهت الحرب في العراق بزمنٍ طويل"، فتكشف محاولة واعية من جانب الحكومة لتجاهل أسباب نزوح اللاجئين كأسلوبٍ لتجنب مسئولية توفير الحماية أو المساعدة إلى ضحايا الحرب والاضطهاد. وأما حقيقة أن المفوضية لم تمنح موافقتها إلا إلى 712 من أصل 500,000 عراقي على الأقل ممن يعيشون في الأردن فتكاد تؤكد قول الحكومة بأن الأعداد الكبيرة من العراقيين الموجودين على أرضها ليسوا لاجئين.196
إن هدف هذا التقرير (على المستوى الأساسي) هو بيان أن نسبةً كبيرة من أكثر من نصف مليون من العراقيين الموجودين في الأردن (إن لم يكن معظمهم) هم لاجئون؛ رغم حقيقة عدم اعتراف الحكومة أو المفوضية بصفتهم هذه اعترافاً رسمياً. كما يهدف التقرير إلى إظهار حاجتهم إلى الحماية.
ينزح لاجئو الأمر الواقع عن العراق لجملةٍ من الأسباب. وأول هذه الأسباب هو الهرب من العنف المعمم وحالة انعدام الأمن. لكن ثمة جماعات كثيرة يجري استهدافها لأسبابٍ بعينها، من قبيل التطهير العرقي. وينحدر لاجئو الأمر الواقع في الأردن من مختلف مشارب الحياة ومن خلفياتٍ دينيةٍ وإثنية متنوعة. ومن هذه الناحية، فهم يعكسون ويمثلون أنماط العنف والاضطهاد الموجودة في العراق.197 وهم يضمون أشخاصاً هربوا من العراق في زمن حكم صدام حسين ومازالوا خائفين من العودة، إضافةً إلى الأشخاص الواصلين حديثاً إلى الحدود كان معظم العراقيين المسجلين لدى المفوضية قبل 2003 من الشيعة.198 ومنذ أبريل/نيسان 2003، بدأت الزيادة المستمرة في أعداد أبناء الأقليات الدينية، وخاصةً المسيحيين والمندائيين (وهو دينٌ يتّبع أتباعه تعاليم يوحنا المعمدان).199 وبعد تزايد العنف الطائفي في الآونة الأخيرة، لاحظ مكتب المفوضية ازدياد أعداد السنة النازحين من العراق.200
ومن الفئات التي يفترض أنها تواجه خطر الاضطهاد في العراق حالياً السنة والشيعة القاطنين في مناطق تسودها أغلبيةٌ من الجماعة الأخرى، كما في سامراء وبعقوبة وأبو غريب وبغداد والبصرة؛ إضافةً إلى الأسر السنية/الشيعية المختلطة بفعل الزواج. لكن تعريف السكان المعرضين للخطر لا ينطبق بدقةٍ حتى على هذه الفئات العراقية. تكاد جميع مناطق البلاد تكون مناطق خطرة؛ أما النقاط الساخنة على نحوٍ خاص فتشمل بغداد والمحمودية والبلدات الواقعة على مسافة 30 كم إلى الجنوب على الطريق المؤدي إلى الحلة، وكذلك الرمادي والفلوجة والحديثة وتلعفر والموصل. ومن شأن تقييم موضوعي لمدى الخطر أن يتوصل إلى وجوب اعتبار الأشخاص النازحين عن هذه المناطق (إن لم يكن عن البلاد كلها) ممن تنبغي حمايتهم بشكلٍ مؤقتٍ على الأقل.
وأما الأشخاص الفارين من العنف الطائفي السني/الشيعي فهم من بين أحدث القادمين عهداً، وخاصةً منذ تصاعد العنف والتشريد القسري على أساس اثني وديني في أعقاب تفجير مرقد الإمام العسكري في سامراء يوم 22 فبراير/شباط 2006، وهو موقعٌ مقدسٌ لدى الشيعة.201 وفي الشهرين اللذين أعقبا هذا التفجير، جرى تشريدٌ قسري لما يقدر بنحو 81000 شخصاً من منازلهم، رغم بقاء معظمهم داخل العراق.202 ومازال هذا التشريد داخلياً إلى حدٍّ كبير حتى الآن لأن الانتقالات السكانية الكبيرة كانت لعراقيين يقطنون المدن والأحياء المختلطة انتقلوا إلى المناطق التي تغلب فيها جماعاتهم.203
وأما مرتكبو الهجمات التي تؤدي إلى تشريد الناس فهم من السنة الذين يهاجمون الشيعة من خلال الجماعات المتمردة كتنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين وجيش أنصار السنة؛ وهم أيضاً من الشيعة الذين يهاجمون السنة من خلال الميليشيات التي تساندها الحكومة مثل جيش المهدي ومنظمة بدر. وتلاحظ مجموعة الأزمات الدولية أن "المشاعر الطائفية تتأجج لدى الجانبين مع كل هجومٍ مروع أو مع كل اكتشافٍ للجثث المشوهة، وهو ما يحدث بشكلٍ يوميٍّ تقريباً".204
وقد قابلت هيومن رايتس ووتش لاجئي أمر واقع في الأردن ممن فروا من التهديدات أو العنف المتصل بعلاقتهم الحقيقية أو المزعومة مع القوات الأمريكية أو القوات الحكومية أو مع بعض القوى الأجنبية الأخرى في العراق، بما فيها المؤسسات الخاصة غير الحكومية. وتوجه الجماعات المتمردة في العراق تهديداتها إلى العراقيين الذين يعملون مع الأجانب وإلى من يحتلون مناصب سياسية أو حكومية عراقية على حدٍّ سواء، وذلك بوصفهم متعاونين مع الاحتلال.205 كما أن المترجمين معرضون للخطر على نحوٍ خاص، بمن فيهم من يعملون لصالح المنظمات الإنسانية الدولية ومع الصحافة.206
ينحدر معظم لاجئي الأمر الواقع العراقيين في الأردن من الطبقة الوسطى في المدن.207 ولا تؤدي هذه الأصول بهم إلى التعرض أكثر من مواطنيهم الأفقر حالاً في العراق إلى الاضطهاد والجريمة العادية كالسرقة والخطف طلباً للفدية، بل هي تضمن لهم الموارد الكافية للسفر في رحلةٍ طويلة إلى الأردن واجتياز الحدود والعيش في الغربة. ولم يكفِ نساء الطبقة المتوسطة، وخاصةً ممن تنتمين إلى الأقليات الدينية، أن كنّ هدفاً للهجوم في العراق بسبب طريقتهن في اللباس أو أعمالهن، أو بسبب ممارستهن سلوكاً "غير أخلاقي" أو "غير إسلامي"، بل هنّ يعانين صعوباتٍ في العيش في الأردن، وخاصةً إذا كنّ عازبات أو منتميات إلى أقليات غير إسلامية.208 كما يتزايد استهداف المثقفين وأصحاب المهن العلمية أيضاً بجرائم القتل والخطف. ومع تعدد دوافع المهاجمين، بما في ذلك الجريمة العادية التي تزدهر في مناخ انعدام القانون، عبّر بعض مرتكبي هذه الجرائم عن رغبتهم في تجريد العراق من الطبقة المتعلمة والمثقفة.
أما جماعات اللاجئين غير العراقيين الذين يعيشون في العراق فكانت هشةً على نحوٍ خاص. وجرى عزل من استطاع منهم الهرب إلى الأردن في مخيماتٍ نائية على عند الحدود العراقية أو على مقربةٍ منها.209 والجماعتان الرئيسيتان من اللاجئين في العراق الذين وجدوا أنفسهم في وضعٍ غير منطقي (فهم لاجئون معترفٌ بهم في العراق وطالبو لجوء في الأردن)، هما الفلسطينيون والأكراد الإيرانيون. فقد عاشت الجماعتان في العراق لعشرات السنين دون أن تندمجا في المجتمع العراقي، ثم وجدتا نفسيهما عرضةً للمخاطر بعد سقوط صدام حسين. ولم تكن هاتان الجماعتان توصلتا إلى مكانٍ آخر يرحب بلجوئهما إليه حتى وقت زيارة هيومن رايتس ووتش. وقد تمكن بعض الفلسطينيين والأكراد الإيرانيين الذين غادروا العراق في بداية الحرب في أبريل/نيسان 2003 من دخول البلاد، لكن الحكومة أبقتهم في مخيماتٍ مغلقة في منطقةٍ صحراويةٍ نائية، ومازال مئاتٌ منهم يعيشون هناك منذ ثلاث سنوات. أما من جاؤوا بعدهم فلم يسمح لهم بدخول الأردن وظلوا عالقين في مواقع أكثر سوءاً ضمن المنطقة العازلة بين العراق والأردن، أو عند الجانب العراقي من الحدود.210
ولا تحاول هيومن رايتس ووتش هنا تقديم قائمةٍ شاملة بالجماعات ذات الأوضاع الهشة بين لاجئي الأمر الواقع الذين جرت مقابلتهم في الأردن. فمن الممكن العثور على قائمة أكثر شمولاً تعدد الجماعات التي تتعرض للاضطهاد في العراق في تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2005 بعنوان "وجهٌ واسم: الضحايا المدنيين للجماعات المتمردة في العراق".211 لكن هذا التقرير نفسه، والمؤلف من 140 صفحة، كان مقتصراً على ضحايا الجماعات المتمردة التي تعرّف بوصفها جماعات مسلحة تعارض التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة (القوة متعددة الجنسية في العراق) وتعارض الحكومة العراقية الحالية. ومن هنا، لم يتطرق التقرير إلى ضحايا الميليشيات الشيعية (كجيش المهدي ومنظمة بدر) التي مارست العنف ضد السنة والأشخاص الذين كانوا على صلةٍ بالحكومة السابقة أو بحزب البعث والفلسطينيين وأقلياتٍ أخرى. كما لم يتضمن ضحايا القوات متعددة الجنسيات التي نفّذت عشرات آلاف الهجمات العنيفة والعمليات العسكرية الواسعة في أربع مدن على الأقل منذ الإطاحة بنظام حزب البعث (وهي: الفلوجة مرّتين، والرمادي، وتلعفر، والنجف). والحقيقة أن لاجئ الأمر الواقع في الأردن كانوا ضحيةً لجملةٍ واسعة من الجماعات ذات الدوافع المتباينة تماماً. ورغم ذكر جماعات هشة بعينها، فالواقع أن هناك تداخلاً كبيراً؛ إذ يمكن أن يكون الشخص نفسه منتمياً إلى عددٍ من الجماعات الهشة في وقتٍ واحد (كأن يكون امرأةً مثقفةً ومسيحيةً ومتهمةً بالتعاون مع العناصر الأجنبية لأنها تتكلم الإنجليزية).
المتهمون بالتعاون مع الاحتلالمن بين أصحاب الأوضاع الأكثر هشاشةً في العراق الأشخاص الذين يعتقد المتمردون أنهم يعملون لصالح القوات متعددة الجنسيات أو الحكومة أو الدول الأجنبية، أو حتى المنظمات غير الحكومية والصحافة. وقال لنا مسيحيٌّ عراقي: "إذا كنت تعمل في الحكومة يقولون أنك عميلٌ للأمريكيين. وإذا كنت تعمل مع الأمريكيين يقولون أنك خائن".212 ويقول عقيد سابق في الجيش العراقي ممن انضموا إلى المتمردين: "كل عراقي أو أجنبي يعمل مع التحالف هدفٌ لنا، سواءٌ كان وزيراً أو مرتزقاً أو مترجماً أو رجل أعمال أو طباخ أو خادمة؛ فدرجة التعامل مع الاحتلال غير مهمةٍ. وتوقيعك عقداً مع المحتل هو توقيعك على موتك".213
وفي يونيو حزيران 2006، أرسل السفير زلماي خليل زادة برقيةً إلى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس رسمت صورةً قاتمة لحياة الموظفين العراقيين في السفارة الأمريكية ببغداد.214 وتحدثت البرقية عن التدهور العام في مستوى الحياة وأمانها، إضافةً إلى زيادة العنف والتهديدات الطائفية. لكن أكثر ما يخشاه العاملون العراقيون في السفارة الأمريكية هو افتضاح عملهم فيها. وتقول البرقية أن إحدى موظفات السفارة طلبت الحصول على أوراق تقول أنها صحفية لأن الحرس على أحد الحواجز في المنطقة الخضراء رفعوا شارة السفارة التي تحملها عالياً وصاحوا: "السفارة". وقال السفير خليل زادة: "تعادل هذه المعلومة حكماً بالإعدام إذا سمعها أحدٌ لا يجوز أن يسمعها".215
وقال لنا مسيحي أرثوذكسي يعمل مترجماً وعامل صيانة في قاعدة "فالكون" الأمريكية في حي الدورة جنوب بغداد أنه ظل يكتم أمر عمله هذا حتى 10 سبتمبر/أيلول 2004 حين تعقبته سيارةٌ عند خروجه من القاعدة. سارت السيارة بجانبه، وبدأ سائقها وراكبٌ آخر فيها يطلقان النار عليه. أصيبت سيارته بعشرين رشة من الرصاص، وأصيب الرجل في ساقيه وبطنه وبسحج سطحي في ظهره. وقال لنا أنه كان خائفاً جداً حتى أنه لم يمكث في المستشفى أكثر من يومين ذهب بعدهما إلى البيت ريثما يشفى. وبعد نصف سنة تقريباً فرّ إلى الأردن في يونيو/حزيران 2005. ويقول الرجل: "بعد إطلاق النار علي عرف الجميع أنني أعمل مع الأمريكيين. لدي طفلٌ في السادسة وصار أخذه إلى المدرسة صعباً بالنسبة لي. صار علي أن أختبئ في منازل مختلفة كمنزل عمي أو حماي. ولهذا قررت المجيء إلى الأردن علّني أجد حياةً أفضل لأسرتي".216
وكان من جملة من قابلتهم هيومن رايتس ووتش في مخيم طريبيل على الجانب العراقي من الحدود الأردنية مهندس مدني فلسطيني كان يعمل مع شركة أمريكية أثناء وجوده في بغداد. وقال أنه تلقى اتصالات هاتفية تهدده وتتهمه بأنه جاسوس أمريكي. وفي طريقه إلى العمل ذات يوم لاحقه عددٌ من الرجال في سيارة كانت تنتظره قرب منزله. كان الظلام لا يزال مخيماً، وكانت الكهرباء مقطوعةً في بغداد، فتمكن من الاختباء في الظلام. لكنه خاف أن يعود إلى بيته. وظل مقيماً في مقر شركة تابعة لشركته قرابة شهرٍ كامل، ثم طلب نقله مع أسرته للعيش في مطار بغداد الدولي. لكن الشركة قالت أن ذلك مستحيل، فاضطر إلى الاستقالة.
وبعد ذلك، نقل الرجل أسرته إلى بناءٍ جميع سكانه من الفلسطينيين. وبعد تفجير سامراء، وقعت معركة عنيفة في المبنى عندما "أغار" مغاوير الشرطة المدججين بالسلاح بقصد اعتقال شاب يقيم في ذلك المبنى. ويقول المهندس: "بعد أحداث سامراء صار الطرفان يكرهانني. هددتني جماعةٌ إرهابية بسبب عملي مع الأمريكيين. ثم هددني الحرس الوطني العراقي لأنني إرهابي [فلسطيني]". غادر هذا المهندس بغداد في 1 أبريل/نيسان. وقد ختم المقابلة التي جرت في خيمةٍ ضيقة بقوله: "لا أستطيع العودة إلى العراق أبداً. فالجانبان يكرهانني".217
البعثيون السابقون وأسرهمعلى الجانب المقابل للمتهمين بالتعاون مع الاحتلال يقف أشخاصٌ متهمون بالصلة مع النظام السابق. ومع أن بعض البعثيين السابقين متورطون في انتهاكاتٍ خطيرة لحقوق الإنسان يجب محاسبتهم عليها، فليس من شأن مهاجمتهم خارج إطار القانون إلا أن تزيد دورة العنف شدةً. ولدى كثير من المتهمين (حقاً أو باطلاً) بالصلة مع حزب البعث، بمن فيهم أبناء البعثيين، مخاوف مبررة من التعرض إلى الاضطهاد في العراق.
قابلت هيومن رايتس ووتش مسئولاً بعثياً كبيراً سابقاً، وهو ضابط شرطة متقاعد لعله اضطهد الآخرين فيما مضى، ولعله بالتالي غير مؤهلٍ للحصول على صفة لاجئ. هرب الرجل إلى سوريا أولاً، فاعتقل وجرى ترحيله مرتين. ومن سوريا، ذهب إلى الأردن. ويقول أن ابنه اختطف وقتل على يد منظمة بدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2005. جاؤوا يرتدون ملابس الشرطة وطلبوا منه مرافقتهم إلى قسم الشرطة. ويقول الضابط المتقاعد الكهل: "أعتقد أنهم قتلوه انتقاماً مني". ويضيف: "تعاني أسر جميع البعثيين نفس المشكلة".218
وقال لنا شيعيٌّ اعترفت به المفوضية العليا لاجئاً في عمان، وكان قد تعرض لاضطهادٍ شديد على يد النظام البعثي،219 أنه يخشى العودة إلى العراق الآن بسبب اتهام عائلته بموالاة النظام الذي اضطهده. وقال: "أخبرني أخي بهذا. عثروا على جثة والدي وقد بدأت تتفسخ بعد اختفائه بسبعة عشر يوماً. كانت يداه موثقتان، وكانت في جيبه ورقة تقول أنه قُتل لأنه كان عميلاً لنظام صدام". كما جاء رجالٌ يسألون عن أخيه في مدينة الحلة، وسرقوا سيارته. قال الرجل: "لقد أفلت أخي منهم، لكنهم كانوا ينوون قتله. ولدي أسبابٌ وجيهة لعدم العودة".220
ويبدو أن اضطهاد البعثيين لا يقتصر على كبار أعضاء الحزب وأسرهم. فقد قال لنا خياطٌ عاطلٌ عن العمل يجهد لتأمين عيشه في عمان:
المثقفون وأصحاب المهن العلميةيمثل المثقفون وأصحاب المهن العلمية قطاعاً متميزاً من لاجئ الأمر الواقع في الأردن. ويقدر أن 40% من أصحاب المهن العلمية العراقيين تركوا البلاد منذ أبريل/نيسان 2003 حتى الآن؛ أي بمعدلٍ يومي يتراوح بين 40 و 60 شخصاً في اليوم الواحد.222 وفي مارس/آذار 2006، قالت جمعية المحاضرين الجامعيين في العراق أن 182 أستاذاً جامعياً قتلوا منذ عام 2003، وأن 331 معلم مدرسة قتلوا خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من عام 2006.223 أما المفوضية العليا للاجئين فتصف قتل المثقفين والأساتذة والمحاضرين الجامعيين ومعلمي المدارس بأنه "منهجي".224
ويقال أن الحرب كانت أسوأ أثراً بالنسبة لأصحاب المهن الطبية. تقول نقابة الأطباء العراقيين أن 2000 طبيب عراقي على الأقل قتلوا، وأن 250 طبيباً اختطفوا منذ غزو العراق عام 2003؛ كما أن ما يقدر بحوالي 12000 من أصل 34000 طبيباً مسجلاً في العراق قبل 2003 (أي 35%) غادروا البلاد خلال الأعوام الثلاثة الماضية.225
فرّ طبيب جلدية يملك مركزاً للتجميل في بغداد (ورد ذكره أعلاه) من العراق في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 "لأن عدداً كبيراً من الأطباء تعرضوا للقتل". وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، اختطف ابن هذا الطبيب وظل محتجزاً ثلاثة أسابيع. ويقول الطبيب: "كانوا يعرفون أنني طبيبٌ وأن لدي مالاً". وأطلق سراح الابن بعد أن دفع والده فديةً تعادل 10000 دولار أمريكي. كما قتل أحد أبنائه البالغ ثلاث سنوات أثناء قصفٍ من جانب قوات التحالف عام 2003.226 ويقول هذا الطبيب: "لم أعد قادراً على العمل في العيادة فقررت أن أغلقها وآتي إلى هنا. لقد أغلقتها وسافرت".227
أما طبيب الأعصاب من تلعفر (ورد ذكره أعلاه) فهو سنيّ. وفي مارس/آذار 2005 وضعت منظمة بدر اسمه على قائمة الاغتيالات. وقال لنا هذا الطبيب:
ويقول طبيب الأعصاب أن المستشفى الذي كان يعمل فيه بتلعفر كان يضم 34 طبيباً. أما الآن فليس فيه إلا خمسة أطباء أو ستة.
المسيحيون والمندائيون العراقيونرغم أن المسيحيين والمندائيين لا يمثلون إلا أقليتين دينيتين صغيرتين في العراق، فإنهم يشكلون نسبةً أكبر على نحوٍ غير متناسب في صفوف اللاجئين العراقيين في الأردن.229 ولعل السبب في هذا هو أنهم معرضون لقدرٍ من الاضطهاد الموجه إليهم كجماعة يفوق ما يتعرض له المسلمون، لكن من أسباب ذلك أيضاً هو أنهم يراجعون مكتب المفوضية العليا للاجئين بعمان أكثر من مواطنيهم من المسلمين مما يجعلهم مرئيين أكثر من غيرهم.
وعند بداية الحرب، كان المسيحيون يشكلون 3% من سكان العراق إذ بلغ عددهم 800000 شخصاً. وهم يتوزعون إلى انتماءاتٍ مذهبيةٍ وإثنيةٍ مختلفة من بينها الكلدان الكاثوليك والآشوريون والسريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والأرمن الأرثوذكس والإنجيليون. ومعظمهم من أصحاب الاختصاصات العلمية، ويعتبرون أكثر ثراءً من المتوسط العام للعراقيين.230
ويعتقد عامة الناس أن المسيحيين على صلةٍ بالقوات الأمريكية والبريطانية.231 وكان معظم من يعمل في تجارة الخمور أيام صدام حسين من المسيحيين. وعقب سقوط حكومة صدام حسين، هاجمت جماعاتٌ إسلامية كثيراً من متاجر الخمور بالقنابل الحارقة وأطلقت النار على أصحابها.232 وقال بيانٌ ادّعى المسئولية عن مهاجمة 5 كنائس في وقتٍ واحد بالسيارات المفخخة في بغداد والموصل يوم الأحد 1 أغسطس/آب 2004: "وجدت القوات الأمريكية ومخابراتها ملاذاً آمناً وملجأً لها لدى إخوتها من أحفاد القرود والخنازير في العراق. وقد استطعنا بحول الله
ويقول مسيحيٌّ كلداني عاش حياته كلها في حي الجديدة ببغداد:
كان في العراق في عهد صدام حسين 30000 شخصاً من المندائيين. وهم من إتباع دينٍ يعتبر يوحنا المعمدان نبياً له، لكن من بقي منهم في العراق لا يتجاوز 13000 حالياً.235 وبعض المسلمين لا يعتبرون المندائيين من أهل الكتاب (وهم المسلمون والمسيحيون واليهود) الذين يضمن الإسلام حمايتهم. كما تشير بعض التقارير إلى استهداف المندائيين بمحاولات التحول القسري إلى الإسلام.236 ويعمل المندائيون تقليدياً في صياغة المجوهرات والذهب مما يجعلهم هدفاً مغرياً. وذلك بسبب افتقارهم إلى الحمايات العشائرية أو الدينية التقليدية،237 ولأن دينهم يفرض عليهم السلوك المسالم، فهم يتعرضون للاختطاف أو السلب ولا يبدون إلا أقل قدرٍ من المقاومة. ويزيد في هذا الوضع تفشي انعدام القانون والمحاسبة.238
وقد كان من هذه الأهداف المغرية صائغٌ مندائي يبلغ الخمسين من عمره قابلته هيومن رايتس ووتش في عمان.239 ففي مايو/أيار 2005 هاجمه أشخاصٌ مجهولون قرب محل الذهب الذي يملكه في بغداد وأطلقوا النار على صدره واختطفوا شقيقه. ويقول الرجل: "بعد هذا رحنا نتلقى مكالمات هاتفية غريبة من جماعات إسلامية. وكانوا يقولون أموراً من قبيل: غيّروا دينكم وإلا فسوف تقتلون... فبعنا ما لدينا من أملاكٍ وذهب في بغداد. قيل لي أن انعدام الأمن سيكون ضاراً بعملي، لكنني لم أصدق أبداً أنهم يمكن أن يختطفوننا". دفعت الأسرة فدية قدرها 80000 دولار لتحرير شقيق الصائغ الذي أضاف: "كان الوضع سيئاً جداً بالنسبة لنا. وتعرضنا إلى كثيرٍ من حالات الاختطاف والاغتصاب". وتحدث الرجل عن عشر مندائيين يعرفهم قتلوا عام 2005. وقد غادر العراق مع شقيقه متجهين نحو الأردن في يوليو/تموز 2005. ومع أنهما دخلا البلاد بتأشيرة لمدة ثلاثة أشهر فقط، فإنه شديد الخوف من العودة إلى الحدود لتجديد تأشيرته. وهو يعيش الآن في الأردن على نحوٍ غير قانوني. ومع أن الشقيقين صائغان ماهران فهما غير قادرين على العمل في الأردن؛ كما أنهما لا يرغبان بالعمل من غير ترخيص والمخاطرة بترحيلهما.
الفلسطينيونكان الأردن تاريخياً من أكثر البلدان استقبالاً للاجئين الفلسطينيين، فقد منح الجنسية تلقائياً للاجئين الفلسطينيين الذين كانوا على أرضه عندما كان صاحب السيادة على الضفة الغربية (باستثناء قرابة 100000 فلسطيني جاؤوا من قطاع غزة).240 لكن التدفق الجديد القادم من العراق وضع التسامح الأردني التاريخي إزاء اللاجئين (وإزاء الفلسطينيين منهم خاصةً) تحت ضغطٍ شديد. ويصر المسئولون الأردنيون أن معاملة الأردن للاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم 1.8 مليوناً كانت تفي دائماً بالتزاماته الدولية إزاءهم، كما أكدوا لنا أنهم لن يقبلوا ولو بلاجئٍ فلسطينيٍّ واحد من العراق.241
وهذا الموقف أوضح ما يكون بالنسبة للفلسطينيين الذين يحاولون دخول الأردن قادمين من العراق. فبعد سقوط صدام حسين فقد الفلسطينيون مصدر الحماية الأولي لهم في العراق وجعلهم فريسةً للجماعات الكارهة لوجودهم. وبدأت جماعاتٌ صغيرة من الفلسطينيين تحاول دخول الأردن. وباستثناء أوائل من قدموا إلى الأردن في أبريل/نيسان 2003، واجه الفلسطينيون حدوداً مغلقة ورفضاً رسمياً لمجرد دراسة السماح لهم بدخول البلاد.
زارت هيومن رايتس ووتش مجموعةً من 234 لاجئاً فلسطينياً عالقين على الجانب العراقي من الحدود مع الأردن. وكان معظمهم ممن نزحوا من العراق في أعقاب موجةٍ من العنف الانتقامي استهدفت الفلسطينيين عقب تفجير مرقد الإمام العسكري بسامراء في فبراير/شباط.
وتحدث الفلسطينيون لنا عن أسباب مغادرتهم العراق.242 فقد قال اللاجئون من مجمع البلديات السكني الفلسطيني بشرق بغداد أنهم كانوا هدفاً لمدفعية الهاون أربع مرات. وقال غيرهم أنهم تلقوا رسائل تهديد تنذرهم بالرحيل. فمثلاً، وجهت جماعة تدعو نفسها "كتائب القيامة" رسالةً تنذر فيها جميع الفلسطينيين القاطنين في مجمع دوار الشئون ببغداد بالرحيل خلال 10 أيام وإلا "محوناكم جميعاً".243
وتحدث اللاجئون أيضاً عن أقارب وأصدقاء وجيران لهم جرت مهاجمتهم في الشوارع لمجرد أنهم فلسطينيون. وقد قتل أحدهم، وهو سمير خالد الجياب، عشية تفجير سامراء كما قال كثيرٌ من اللاجئين؛ وكان رجلاً معاقاً له ساقٌ صناعية. ورغم خوف معظم الفلسطينيين في حي البلديات من الخروج من بيوتهم، خرج سمير الجياب لجلب ابنه من المدرسة. وقبل أن يبلغ المدرسة، أدرك به رجالٌ شقوا وجهه بسيفٍ أو سكين، ثم أفرغوا في جسده 20 رصاصة، وذلك وفق روايات اللاجئين.244
وعقب انتهاء أعمال بعثة هيومن رايتس ووتش في 9 مايو/أيار بوقتٍ قصير، حلت سوريا مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عند الحدود الأردنية بأن سمحت لهم بدخول سوريا. وفي اليوم التالي سمحت السلطات السورية أيضاً بدخول مجموعة من 35 فلسطينياً قدموا مباشرةً من بغداد إلى الحدود السورية. لكن، ومنذ ذلك الوقت، أغلقت سوريا حدودها أمام الفلسطينيين القادمين من العراق. وحتى وقت إعداد هذا التقرير، ما يزال زهاء 200 فلسطيني عالقين ضمن المنطقة العازلة على الحدود العراقية السورية.245 وحتى الآن، مازال حوالي 30000 فلسطيني يعيشون في خطرٍ شديد في بغداد دون أن يلوح في الأفق مكانٌ يفرون إليه، ودون أن يفتح أي بلد أبوابه أمامهم. وقد حاولنا إجراء مقابلات عبر الهاتف مع فلسطينيين في بغداد، لكن كثيراً منهم كانوا خائفين من الكلام. قال لنا رجلٌ اعتقل وأُخذ إلى وزارة الداخلية العراقية في 12 مايو/أيار 2006: "الوضع سيء، سيءٌ جداً. أود أن أذهب إلى أي بلدٍ فيه شيءٌ من الاستقرار. وأنا أبحث عن حلٍّ سريع. لا أستطيع الانتظار لشهرٍ أو اثنين. السعودية مكانٌ مناسب؛ وأي مكان مناسب أيضاً". وعندما طلبنا منه الحديث عن تفاصيل اعتقاله قال: "أرجوكم، لا أستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، فأنا أخاف حتى من الخروج من المنزل". وقبل أن ينهي المقابلة تحول إلى الإنجليزية قائلاً: "أنا خائفٌ جداً. هل تفهمونني؟ يمكن لأي شخص أن يأتي ويمسحني مسحاً. يمكن أن يحدث لي أي شيء".246
الفلسطينيون في مخيم الرويشدتعيش جماعةٌ أخرى يبلغ عددها 148 لاجئاً فلسطينياً في مخيم الرويشد داخل الأردن، وهو يبعد 85 كم عن الحدود العراقي |