![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Jordan Jordan ![]() |
VIII. استجابة البلدان الأخرى للعراقيين الفارين من الحرب والاضطهاد
إن الموارد الطبيعية قليلةٌ في الأردن على خلاف بقية دول المنطقة. فليس لديه نفط، وهو يعاني من شح المياه. وعلى الرغم من هذا، كان الأردن منفتحاً بقدرٍ كبير أمام أهل المنطقة الفارين من الاضطهاد: الفلسطينيين أولاً، ثم العراقيين. ومع أن الكرم التاريخي الأردني يواجه الآن تحدياتٍ شديدة تجعل الموقف الأردني يبدي بعض التصلب، فإن سلوك الأردن لا يزال متقدماً بالمقارنة مع معظم الدول المجاورة بوصفه أحد أكثر بلدان المنطقة تسامحاً إزاء اللاجئين. إن "المعاملة التي يلفها الصمت" تجاه لاجئ الأمر الواقع العراقيين موجودةٌ في جميع أنحاء المنطقة، وخارجها أيضاً.
استجابة سورياليس الأردن بالبلد الوحيد المجاور للعراق الذي يواجه مشكلة اللاجئين الباحثين عن ملجأ من الحرب والاضطهاد. فسوريا تواجه عدداً مشابهاً من العراقيين الذين تقارب ظروفهم ظروف العراقيين في الأردن إلى حدٍّ كبير.
وفي مارس/آذار 2006، أصدرت المفوضية العليا للاجئين دراسةً أعدت بالتعاون مع اليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي تتضمن تقييماً لوضع اللاجئين العراقيين في سوريا. وتقدر الدراسة عدد المواطنين العراقيين في سوريا بنحو 450,000 شخصاً، وتقول أن هذا العدد الضخم يعكس "كرم سوريا وتسامحها".265 ويقول التقرير أن سوريا هي البلد الوحيد في المنطقة الذي يطبق نظام الحماية المؤقتة من غير تحفظات؛ لكن الظاهر الآن أن سوريا لم تعد تعترف بهذا النظام. ويقول التقرير أيضاً أن الأطفال العراقيين في سوريا كانوا يذهبون مجاناً إلى المدارس والمستشفيات العامة في عامي 2003 و2004. لكنه يشير إلى بعض التصلب في المواقف والسياسات السورية عام 2005. وفي مقدمة التقرير يقول ممثل المفوضية العليا للاجئين في سوريا:
وكما هي الحال في الأردن، لم تسجل المفوضية العليا للاجئين إلا نسبةً صغيرة من العراقيين الموجودين في سوريا. فقد سجل مكتب المفوضية بدمشق 30,832 طالب لجوء عراقي حتى 10 يوليو تموز 2006، ولم يمنح صفة لاجئ إلا إلى 1336 شخصاً منهم.267
ويشير تقرير منظمات الأمم المتحدة الثلاث المشترك عن العراقيين في سوريا إلى كثير من المشكلات الشبيهة بما يواجهه العراقيون في الأردن. فهو يجد مثلاً أن العراقيين عامة لا يحملون تصاريح عمل في سوريا، وأن معظمهم عاطلٌ عن العمل. ويقول التقرير أن "1,500 أسرة على الأقل تواجه ظروفاً بالغة الصعوبة ناتجة عن جملة من العوامل، بما فيها الفقر وانتهاء مدة الوثائق التي يحملونها وظروف العيش الصعبة. ويرجح أن تكون مستويات سوء التغذية والالتحاق بالمدارس وعمالة الأطفال ودعارة الأطفال أكثر ارتفاعاً في أوساط هذه الأسر".268
ويخلص التقرير الذي اعتمد على مسوحات أسرية وعلى مناقشات مجموعات العمل، وعلى مقابلاتٍ أخرى، أن ما يصل 30% من الأطفال العراقيين في عمر 6 11 عاماً غير مسجلين في المدارس.269
ويشير تقييم الأمم المتحدة لأوضاع اللاجئين العراقيين في سوريا إلى أن معظمهم تجاوز مدة الإقامة التي تسمح بها تأشيرة الدخول، لكن السلطات السورية تتسامح معهم عموماً، وذلك رغم ملاحظة قيامها ببعض أعمال التحقق العرضية. ويقول التقرير أن "معظم اللاجئين العراقيين يرون أن لا جدوى من نظام الحماية المؤقتة طالما أن هناك حالات ترحيل قسري ورشوة رغم التوقيع على خطاب الحماية المؤقتة".270
إن انعدام وجود الحماية التي يقدمها خطاب المفوضية العليا للاجئين بشأن الحماية المؤقتة في سوريا يوازي عدم فاعلية حماية المفوضية للاجئين في الأردن:
قابلت هيومن رايتس ووتش في عمان مسئولاً بعثياً سابقاً جرى ترحيله مرتين من سوريا إلى العراق (ورد ذكره أعلاه في فقرة "البعثيون السابقون وأسرهم"). وهو يؤكد أن الموظفين السوريين لم يحترموا خطاب الحماية المؤقتة. ويقول:
استجابة لبنانيعيش في لبنان ما يقدر بنحو 20000 عراقي طبقاً للمسح الذي أجراه مجلس اللاجئين الدانمركي للعراقيين في لبنان ونشره في يوليو/تموز 2005.273 ووجد المسح أن عدد العراقيين يتزايد في لبنان، وخاصةً المسيحيين منهم.
ووجد المسح الذي جرى باسم المفوضية العليا للاجئين أن عراقيي لبنان صنفوا "عدم وجود وثائق وما يعنيه ذلك من خوف من التجول ومن الاعتقال والترحيل" بوصفه أكبر مشكلاتهم.274 كما أظهر المسح أن جميع الأسر العراقية التي شملها المسح، وهي 590 أسرة، تعيش في لبنان على نحوٍ غير قانوني.275 لا يقبل لبنان باللاجئين إطلاقاً؛ وهو لا يقدم أسساً أخرى لتنظيم وضعهم.276
وعلى غرار الأردن، لم ينضم لبنان إلى اتفاقية اللاجئين، وليس لديه قانون للاجئين. وهو يستضيف عدداً كبيراً من اللاجئين الفلسطينيين (مثل الأردن)، ويرفض دراسة منح اللجوء لأي لاجئين جدد.277 وكما هي الحال في الأردن، لا تستطيع مفوضية اللاجئين العمل إلا على الهامش. فالحكومة لا تمنح تصاريح إقامة أو عمل إلى اللاجئين الذين تعترف بهم المفوضية. ويفرض لبنان على جميع العراقيين القادمين براً الحصول على تأشيرة دخول مسبقة، لكنه يصدر تأشيرات سياحية للعراقيين الذين يحملون جوازات سفر صالحة ويصلون عبر مطار رفيق الحريري الدولي إذا كان بحوزتهم مبلغ 2000 دولار نقداً، إضافةً إلى حجز فندقي وتذكرة العودة.278
ومنذ أبريل/نيسان 2003، تحاول المفوضية العليا للاجئين إقامة نظام الحماية المؤقت في لبنان، كما تحاول في الأردن وسوريا. وبما أن لبنان لا يعترف بنظام الحماية المؤقت، فلا يكاد يوجد ما يشير إلى أن هذا النظام يقدم الحماية إلى اللاجئين في لبنان بأية صورةٍ من الصور. وفي الوقت عينه، تتذرع المفوضية بنظام الحماية المؤقت لعدم الاعتراف باللاجئين أو بعدم العمل على إعادة توطين مزيدٍ منهم. لقد شهدت فرص إعادة التوطين في بلدانٍ أخرى تراجعاً كبيراً في ظل نظام الحماية المؤقت.279 كما انخفض معدل اعتراف المفوضية باللاجئين من 35.5% بالنسبة لمن وصلوا قبل عام 2001 إلى 18% بالنسبة للواصلين في عام 2001. وفي عامي 2002 و2003 معاً، انخفض المعدل حتى قارب الصفر.280 ولم يعترف مكتب المفوضية في بيروت بأي لاجئ في عامي 2004 و2005.281 وحتى شهر يوليو/تموز 2006، بلغ عدد من سجلوا طلبات لجوء 2173 شخصاً، وكان عدد اللاجئين المعترف بهم في لبنان 568 شخصاً.282
ويبين المسح تفشي المخاوف بين العراقيين في لبنان، والغريب أن هذه المخاوف تبدو في ازديادٍ لدى اللاجئين المعترف بهم. يقول التقرير: "لا يشعر معظم العراقيين بالأمان في بلد اللجوء". ويتابع: "وذلك في حين يشعر اللاجئون المعترف بهم بقدرٍ من عدم الأمان يفوق ما يشعر به غيرهم من اللاجئين، وهم غير محميين من الإعادة".283 ويعتبر زهاء 60% ممن أجابوا على أسئلة المسح (76% من اللاجئين المعترف بهم) أن الأمن في لبنان سيء أو سيء جداً.284 وقال كثيرٌ من العراقيين الذين شملهم المسح أن الشرطة اللبنانية اعتقلتهم أو احتجزتهم.285 أما البقية فوضعوا التمييز في أماكن العمل في المقام الأول.286
كما وجد مجلس اللاجئين الدانمركي جملةً من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والصحية الأخرى. ومن أكثر ما يدعو إلى القلق بين هذه المشكلات هو أن أكثر من نصف الأسر العراقية التي شملها المسح لا ترسل أياً من أطفالها إلى المدارس.287
ويقول مكتب المفوضية العليا للاجئين ببيروت أن "الغالبية العظمى" من العراقيين الذين يجري احتجازهم في لبنان بسبب الدخول أو الإقامة على نحو غير مشروع يختارون "الإعادة الطوعية إلى العراق" كبديلٍ لبقائهم مدةً طويلة رهن الاحتجاز إذ أن "المحتجزين لا يجدون أمامهم أي خيارٍ ممكنٍ غير ذلك".288 وتميل المفوضية العليا للاجئين إلى تسهيل الإعادة؛ فقد قال لنا موظفو منظمة الهجرة الدولية المسئولين عن العراق أن مفوضية اللاجئين سهلت "العودة الطوعية" لحوالي 1000 عراقي من لبنان إلى العراق.289 وتقول المفوضية العليا للاجئين أن السلطات اللبنانية أعادت 517 محتجزاً عراقياً إلى العراق عام 2005، إضافةً إلى 256 محتجزاً في الأشهر الستة الأولى من عام 2006.290
استجابة الكويت والسعوديةثمة عددٌ قليلٌ نسبياً من العراقيين الذين يلتمسون اللجوء إلى الكويت والسعودية. وهذان البلدان غير منضمين إلى اتفاقية اللاجئين وليس لدى أيٍّ منهما قانون للاجئين؛ كما يعتمد كلاهما سياسات هجرة متشددة.291 وللكويت تاريخٌ خاص مع العراق، فقد غزاها واحتلها مدة سبعة أشهر في عامي 1990 1991، وكان هدد بغزوها عام 1961 وفي عددٍ من المناسبات بعد ذلك. وبعد أن طردت قوات التحالف التي قادتها الولايات المتحدة الجيش العراقي من الكويت عام 1991، طردت الكويت بدورها إلى العراق أعداداً كبيرة من المقيمين العراقيين "البدون، ومن الفلسطينيين متهمةً إياهم بالخيانة أثناء الاحتلال العراقي".292
وفي أعقاب الخليج عام 1991 مباشرةً، وصل إلى السعودية حوالي 90000 برفقة قوات التحالف. وخلال وقتٍ قصير انخفض عددهم إلى 33000. احتجزتهم السعودية في مخيمين مغلقين، هما الأرطوية ورفحة، في ظروفٍ قاسيةٍ جداً؛ وكانوا يتعرضون إلى معاملةٍ بالغة السوء أحياناً.293 ثم أغلقت السلطات السعودية مخيم الأرطوية عام 1992 وجمّعت اللاجئين الباقين في مخيم رفحة.294 وعلى مر السنين، جرت إعادة توطين هؤلاء اللاجئين خارج المنطقة أو جرى ترحيلهم إلى العراق. وبحلول أواخر 1997، أي بنهاية برنامج إعادة التوطين الذي بدأ عام 1992، بلغ عدد اللاجئين الذين أعيد توطينهم من مخيم رفحة 24264 لاجئاً.295 وفي الفترة الفاصلة بين 1992 و1997، عاد 3000 لاجئ عراقي طوعاً من مخيم رفحة إلى العراق.296 وفي بداية حرب عام 2003، كان عدد اللاجئين العراقيين في رفحة زهاء 5200 شخصاً.297 وبعد سنةٍ من ذلك، لم يبق فيه إلا 483 لاجئاً بعد أن عاد الآخرون إلى العراق طوعاً.298 أما في يونيو/حزيران 2006، فلم يعد في مخيم رفحة إلا 137 لاجئاً عراقياً بعد أن غادره 100 لاجئ عراقي ليصبحوا لاجئ مدن في السعودية.299 ولم تسجل المفوضية العليا للاجئين أي لاجئ أو طالب لجوء عراقي جديد في السعودية.300
ومع عدم وجود أرقام رسمية عن عدد العراقيين الذين يعيشون في السعودية والكويت حالياً، فإن عددهم في الكويت يقدر بما يتراوح من 10000 إلى 13000؛ ولا تتوفر أرقام رسمية أو تقديرات معقولة لعدد العراقيين في السعودية. وقد سجل مكتب المفوضية العليا للاجئين بالكويت 427 عراقياً بصفة طالبين لجوء، واعترف بصفة اللاجئ لـ 18 عراقياً. ولم تحدث في أعوام 2003 و2004 و2005 إعادة توطين لأي لاجئ من الكويت؛ وباستثناء لاجئ واحد أعيد توطينه في السعودية عام 2003، فإن السعودية لم تعمل، خلال تلك السنوات الثلاث بعد الحرب بما تشهده من عنفٍ مستمر، على تسهيل إعادة توطين أي لاجئين عراقيين غيره ممن يقيمون فيها.301 وعند بداية الحرب، أعلنت الكويت أنها لن تسمح بدخول العراقيين بل ستحتجزهم ضمن منطقةٍ منزوعة السلاح عرضها 15 كم على الجانب العراقي من الحدود حيث تقدم لهم مساعداتٍ إنسانية.302 وعقب افتتاح مركز العمليات الإنسانية في مارس/آذار 2003 نصح رئيس الأركان الكويتي السابق اللواء علي المؤمن (وهو الرئيس الاسمي لمركز المساعدة الإنسانية) العراقيين "بالبقاء حيث هم".303 وفي الوقت عينه، نشرت السعودية 3000 جندي في الكويت، وأعلن قائد حرس الحدود السعودي أن قوات الأمن السعودية تستخدم أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا لرصد الأشخاص الذين يجتازون الحدود.304 وفي أغسطس/آب 2006، أعلنت السلطات السعودية عن اعتزامها بناء سياج حدودي متطور على حدودها مع العراق بكلفة تبلغ 7 مليار دولار.305
استجابة إيرانعلى الرغم من قول حكومة الجمهورية الإسلام في إيران بأن 54000 لاجئاً عراقياً يقيمون على أراضيها، فإن اللاجئين الوحيدين التي سمحت بتسجيلهم في عامي 2001 و2002 لتمكينهم من الاحتفاظ بصفة لاجئين في البلاد (ثم أوقفت التسجيل) كانوا لاجئين مسجلين سابقاً. ويعني هذا أن الإحصاء الرسمي للاجئين العراقيين المعترف بهم لا يتضمن أياً ممن التمسوا اللجوء في إيران منذ عام 2001، ومنهم بطبيعة الحال كل من يمكن أن يكون نزح من العراق أثناء حرب أبريل/نيسان 2003 وما تلاها. وتقول المفوضية العليا للاجئين أنه: "ما من أرقام موثوقة حول عدد العراقيين الباقين في البلاد".306
لا تحترم الحكومة الإيرانية اعتراف المفوضية العليا للاجئين بأي لاجئين يقعون ضمن اختصاصها. ومع أن إيران طرف في اتفاقية اللاجئين، ومع أنها أقامت لجنة وزارية مفوضة بالنظر في طلبات اللجوء، فما من معلوماتٍ معروفةٍ بشأن إجراءات تقرير منح صفة اللاجئ في إيران.
وقبل الحرب، أعلن أحمد حسيني (وهو مستشار لوزير الداخلية الإيراني ويدير مكتب شئون الغرباء والمهاجرين الأجانب) أنه "وفي حال وقوع هجوم أمريكي ضد العراق، فإننا لن نسمح بدخول أي لاجئ عراقي إلى الأراضي الإيرانية".307 قدمت إيران إمدادات إغاثة مسبقة لمساعدة الأشخاص المشردين العراقيين المحتمل تجمعهم عند حدودها الغربية والجنوبية الغربية.308 ومع اقتراب الحرب بعثت إيران بإشاراتٍ متضاربة كان من بينها أنها ستفتح حدودها أمام العراقيين الذين تكون "أرواحهم
استجابة تركياتركيا طرف في اتفاقية اللاجئين والبروتوكول الخاص بها، لكنها تضع حدوداً جغرافية تجعلها لا تعترف إلا باللاجئين القادمين من أوروبا. وبالتالي فهي لم تعترف بأي لاجئ عراقي فوق أرضها. لكن تركيا قبلت كارهةً باستضافة دفعات ضخمة من اللاجئين العراقيين. وكان أبرز هذه الدفعات في ربيع 1991 (أي عقب حرب الخليج مباشرةً) حين نزح 450000 عراقياً جلّهم من الأكراد إلى الحدود التركية؛ وقد حاولت تركيا منع دخولهم أراضيها في ذلك الوقت.313 ونتج عن ذلك إقامة "منطقة آمنة" في شمال العراق وعودة هؤلاء اللاجئين إلى المنطقة التي أصبحت منقطة كردية ذات حكم ذاتي منذ 1991 حتى 2003، وهي تمثل اليوم المنطقة التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان.
ومع اقتراب الحرب في عام 2003، استعد مكتب المفوضية العليا للاجئين بأنقرة لتدفقٍ عدد ضخم من اللاجئين إلى تركيا، كما تحدث عن خطط تركيا لإقامة خمسة مخيمات على أراضيها و13 مخيماً في شمال العراق بهدف استيعاب أكثر من 250000 لاجئ متوقع.314 لكن التقارير الصحفية في ذلك الوقت نقلت عن المسئولين الأتراك أقوالاً تتعلق بالإجراءات التي تتخذها تركيا لمنع تدفق اللاجئين. وأعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عبر التلفزيون الوطني عشية الحرب أنه اتفق مع الولايات المتحدة على ترتيبات عسكرية لإقامة "حزام محدود على طول الحدود يهدف إلى وقف التدفق المحتمل للاجئين
لكن التدفق المتوقع لم يحدث. والسبب الأول في ذلك هو أن الأكراد العراقيين لم يعودوا مضطرين للنزوح في عام 2003. ومع تواصل الحرب والعنف المعمم خلال السنوات التالية، إضافةً إلى استمرار الحرب مع الأكراد الأتراك عن المنطقة الحدودية، تابعت الحكومة التركية فرض سيطرة شديدة على حدودها مع العراق. وتقول وثيقة تخطيط لدى المفوضية العليا للاجئين جرت كتابتها عام 2003 حول عام 2004 أن "التوتر والحرب في العراق أديا إلى تدابير ضبط متشددة في المنطقة المجاورة للحدود".316 ولا يُسمح للعراقيين بدخول تركيا براً من غير تأشيرة دخول يحصلون عليها مسبقاً من السفارات أو القنصليات التركية في الخارج، لكن بوسع القادمين جواً الحصول على التأشيرة في المطار.317
وحتى 30 يونيو/حزيران 2006، بلغ عدد المسجلين بصفة "طالبي لجوء" لدى مكتب المفوضية العليا للاجئين بأنقرة 2404 عراقياً، لكن المكتب كان قد توقف عن إجراء أية معالجة لاحقة لهذه الحالات.318 وكما كان الحال لدى بقية مكاتب المفوضية في المنطقة، جمّد مكتب أنقرة عمليات البت في أوضاع اللاجئين، وذلك كجزءٍ من نظام الحماية المؤقت في المنطقة الذي اعتمدته المفوضية. إن القانون التركي لا يتضمن نظام الحماية المؤقت، لكن الحكومة التركية وافقت على عدم ترحيل العراقيين في الوقت الراهن.
وقد قابلنا دبلوماسياً أوروبياً في عمان عاد لتوه من تركيا. وهو يقول أن وجود المواطنين العراقيين في تركيا "محدودٌ جداً". ويقول أن حوالي 80% من الحالات المسجلة لدى مكتب المفوضية في أنقرة هم من المسيحيين. وهو يعتقد أن هناك أعداداً كبيرة من العراقيين التركمان (وهي جماعة إثنية من أصولٍ تركية يكثر وجود أفرادها في منطقة كركوك)، وهم "لا يواجهون أية مشاكل فقد اندمجوا في المجتمع التركي".319
ويقيم في تركيا 108 لاجئاً عراقياً آخر تعترف بهم المفوضية العليا للاجئين، وقد اعتُرف بصفة اللجوء لمعظمهم قبل أبريل/نيسان 2003، ولم يجدوا بلداً آخر مستعداً لإعادة توطينهم. كما يوجد في البلاد أيضاً أكثر من 1000 لاجئ إيراني عبروا الحدود إلى تركيا من شمال العراق.320 وتفرض الحكومة التركية على اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية الإقامة في "مدن الضواحي" في قلب منطقة الأناضول. ويفرض هذا الوضع عزلةً شديدة على اللاجئين، وخاصةً على المسيحيين وأفراد الأقليات الدينية الذين غالباً ما ينتقلون إلى استانبول. لكن هؤلاء العراقيين، وبمخالفتهم شروط الحكومة، يضعون أنفسهم في وضع غير قانوني إزاء السلطات. ولا يفي بالمتطلبات الصارمة التي تفرضها الحكومة على من يريد الحصول على تراخيص العمل كتوفر اللغة والمهارات إلا عددٌ قليلٌ جداً من اللاجئين وطالبي اللجوء؛ كما أن قدرة مفوضية اللاجئين على توفير المساعدات الإنسانية لهم محدودةٌ أيضاً. وتقول خطة عمليات المفوضية لعام 2006: "مع انعدام إمكانية العودة الآمنة إلى العراق، ومع ضيق فرص إعادة التوطين في تركيا والاقتصار على اللجوء المؤقت فيها، فإن اللاجئين وطالبي اللجوء العراقيين واللاجئين الإيرانيين القادمين من العراق يعيشون وضعاً صعباً فعلاً. وهم يزدادون إحباطاً ويصبحون أكثر اعتماداً على المفوضية".321
استجابة اليمن ومصرليس لليمن ولا لمصر حدود مع العراق، لكن كل منهما تستضيف عدداً كبيراً من المواطنين العراقيين الذين يبدو أنهم تركوا العراق لنفس الأسباب التي جعلت العراقيين في الأردن وغيره من البلدان المجاورة للعراق يتركون بلدهم. وكما هي الحال مع جيران العراق، فإن اليمن ومصر (وفي أحسن الأحوال) تتجاهلان وجود العراقيين. والواقع أنه يصعب الحصول على تقديراتٍ موثوقة لأعدادهم.
وتقدر المفوضية العليا للاجئين أن عدد العراقيين في اليمن بلغ 100000 شخصاً عام 2004،322 لكنها امتنعت عن تقدير عددهم عام 2006 قائلةً أنه، وبسبب وجود حركة نشطة لدخول العراقيين إلى اليمن وخروجهم منها، فإن "من الصعب جداً تقدير عددهم الحالي".323 وكما هي الحال في بقية أنحاء المنطقة، لا يراجع المفوضية من أجل التسجيل لديها إلا عددٌ قليلٌ نسبياً من اللاجئين. ويبلغ عدد المسجلين 1126 عراقياً، لكن المفوضية تعاملهم طبقاً لخطة الحماية المؤقتة، وهي لا تدرس أوضاع العراقيين للبت في منحهم صفة اللاجئين أو لإعادة توطينهم.324
ومع أن اليمن تسمح بدخول العراقيين دون الحصول مسبقاً على تأشيرة دخول، فقد غيّرت سياستها عام 2004 وفرضت التأشيرة على المواطنين العراقيين، وهي تقول أن هذا الإجراء اتخذ لمكافحة الاتجار بالنساء.325
لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من التوصل إلى تقديرٍ موثوق لعدد المواطنين العراقيين الذين يعيشون في مصر. لكن عددهم يبدو في ازدياد. وقالت لنا مصادر في مصر لم تشأ الكشف عن هويتها أن العدد المرجح للعراقيين يتراوح بين 30000 و40000 شخصاً. وفي يوليو/تموز 2006 قال مدير بعثة منظمة الهجرة الدولية في العراق: "ليست لدينا أرقام دقيقة، لكننا نرى أن أعداد العراقيين تزداد زيادةً ثابتة بطيئة في الأردن وسوريا، وهي تتزايد الآن في مصر والدول المجاورة أيضاً".326 ارتفع عدد العراقيين المسجلين لدى مكتب مفوضية اللاجئين بالقاهرة من 57 شخصاً أواخر عام 2002 إلى 955 شخصاً بنهاية الأشهر الستة الأولى من عام 2006. وحتى 8 يوليو/تموز 2006، سجلت المفوضية 1012 عراقياً من أجل الحماية المؤقتة في مصر. كما اعترف بـ 77 عراقياً بصفة لاجئين، ومعظمهم أشخاصٌ تعود حالاتهم إلى ما قبل أبريل/نيسان 2003.327 وتمنح مصر العراقيين المسجلين لدى مكتب المفوضية بالقاهرة تصاريح إقامة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد.328 استجابة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما من البلدان المانحة وبلدان إعادة التوطين خارج المنطقةإن البلدان المانحة وبلدان إعادة التوطين خارج المنطقة تتجاهل إلى حدٍّ كبير مشكلة اللاجئين العراقيين في الأردن (وسوريا ولبنان). كما أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لا تكادان تعيران اهتماماً لوجود اللاجئين العراقيين في الأردن ولا تكادان تفعلان شيئاً لتشجيع الأردن على قبول اللجوء المؤقت. لكن هاتين الدولتين تتحملان المسئولية العسكرية الأولى في العراق وتتحملان مسئولية الاعتراف بالعواقب الإنسانية لما يصيب البلدان المجاورة جراء ما يحدث فيه (ومسئولية الاستجابة لها أيضاً).
ومنذ بداية الحرب عام 2003، قدمت أستراليا ونيوزيلندا وأيرلندا والسويد وكندا مساعدةً متواضعة لتخفيف العبء الواقع على كاهل الأردن من خلال إعادة توطين عدد لا يزال صغيراً من اللاجئين العراقيين المعترف بهم،329 بينما لم تأخذ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أي لاجئ تقريباً. علقت الولايات المتحدة قبول اللاجئين العراقيين منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 حتى 13 أبريل/نيسان 2005 عندما أعلنت عودة دراسة حالات إعادة توطين العراقيين إلى طبيعتها.330 ورغم الاستئناف الرسمي للنظر في أوضاع اللاجئين العراقيين، فإن الولايات المتحدة لم تعد توطين عراقيين لديها إلا في حالتين اثنتين (12 شخصاً) أحالتهما المفوضية العليا للاجئين عام 2005.331 كما قبلت الولايات المتحدة عام 2005 ستة عراقيين آخرين بموجب لم شمل الأسر، وذلك دون إحالةٍ من مفوضية اللاجئين.332 وفي عام 2006، سمحت وزارة الخارجية الأمريكية دخول 43 لاجئ عراقي من الأردن.333 ومنذ بداية الحرب في أبريل/نيسان 2003 وحتى مايو/أيار 2006، لم تُحل مفوضية اللاجئين أية قضايا خاصة بلاجئين عراقيين لإعادة توطينهم في المملكة المتحدة. لكن ستة عراقيين ذهبوا من الأردن إلى المملكة المتحدة بموجب لم شمل الأسر ودون إحالةٍ من جانب مفوضية اللاجئين.334
ومع أن الولايات المتحدة من أكبر مانحي الأردن، فإن قسماً صغيراً نسبياً من حزمة المساعدات الخارجية المقدمة له يخصص للاجئين. ويبدو أن المملكة المتحدة وبقية المانحين الأوروبيين يعيرون اهتماماً قليلاً إلى حاجات اللاجئين في الأردن. ورغم بلوغ معدل المساعدات الأمريكية الخارجية ثنائية الجانب المقدمة إلى الأردن 736 دولار سنوياً منذ السنة المالية 2003،335 فإنها لم تخصص للاجئين العراقيين في الأردن عام 2005 إلا 447845 دولار، وذلك عبر منحتها متعددة الأطراف التي قدمتها إلى المفوضية العليا للاجئين.336 وفي عام 2006 قدمت الولايات المتحدة 1.4 مليون دولار لمشاريع المساعدة الإنسانية التي تقوم بها المفوضية الدولية الكاثوليكية للهجرة في الأردن، بما فيها مشاريع التواصل مع اللاجئين.337 أما المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي فلم يخصصا ضمن مساهمتهما المقدمة إلى المفوضية العليا للاجئين عام 2005 أي تمويل لصالح اللاجئين العراقيين في الأردن.338 لكن الدول المانحة نادراً ما تقدم أموالاً إذا لم يُطلب منها ذلك. وبما أن الأردن اختار أن لا يطلب مالاً، فمن المستبعد أن تكون هناك استجابة من المجتمع الدولي.
وبالمثل، فإن كثيراً من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تقبل أي لاجئين عراقيين من المنطقة (أو قبلت أعداداً بسيطةً جداً). إن على مكتب الشئون الإنسانية في الاتحاد الأوروبي ومختلف البلدان الأوروبية المانحة، ولمصلحتها الخاصة، تقديم مساعدة وحماية ذات مغزى ضمن المنطقة بحيث يمتنع العراقيون عن الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا بحثاً عن اللجوء فيها؛ وعليها أيضاً أن تقدم مساعدات سخية إلى الأردن والدول الأخرى التي توفر حمايةً مؤقتة للاجئين العراقيين (مثل سوريا). إن ما قاله ممثل المفوضية العليا للاجئين في سوريا بشأن العراقيين الذين يذهبون على نحوٍ غير شرعي من سوريا إلى أوروبا ينطبق بنفس القدر على وضع اللاجئين العراقيين في الأردن:
ارتفع عدد طلبات اللجوء المسجلة في أوروبا بنسبة 26% خلال الفترة 2004 2005.340 وفي عام 2005، مثل العراقيون ثالث أكبر مجموعة من طالبي اللجوء في أوروبا، ولم يتقدم عليهم إلا طالبوا اللجوء من صربيا/الجبل الأسود ومن روسيا.341 والبلدان الأوروبية التي تلقت أكبر عدد من طلبات اللجوء العراقية المسجلة عام 2005 هي: السويد (2330)، وألمانيا (1895)، وهولندا (1620)، والمملكة المتحدة (1605)، واليونان (971)، وبلجيكا (903).342
إن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تتحملان مسئوليةً خاصة عن مساعدة الأردن. فالأمر لا يقتصر على العلاقات التاريخية بينهما وبين الأردن وعلى مصلحتهما في ضمان عدم تعرض استقرار الأردن إلى الخطر بفعل العدد الكبير من المواطنين الع |