![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Israel and the Occupied Palestinian Territories Israel and the Occupied Palestinian Territories ![]() |
II. خلفية عامةيعرض هذا القسم نظرةً عامة إلى الظروف المحددة التي جرت فيها كتابة هذا التقرير والأبحاث الخاصة به، إضافةً إلى مساهمة حركة النساء الفلسطينيات في تطور المجتمع المدني والسلطة الفلسطينية.
لا تشكل الأراضي الفلسطينية المحتلة دولةً ذات سيادة، كما أن السلطة الفلسطينية لا تمثل حكومةً ذات سيادةٍ كاملة حتى الآن. لكن السلطة نجحت في إيجاد نظام عدالة جزائية خلال عقد السنوات الماضية. ويدرس هذا القسم نشوء هذا النظام وتكونه ونواقصه. وفي وقتٍ يعاني فيه جميع الفلسطينيين من نواقص نظام العدالة الحالي، تدفع النساء بوجهٍ خاص ثمناً باهظاً جراء نظامٍ غالباً ما يكون عاجزاً عن، أو غير مستعد للاستجابة الكافية للعنف الذي يستهدفهن. ومع أن وجود نظام عدالة جزائية حسن الاستجابة ليس بالعنصر الضروري الوحيد من أجل المعالجة الفعالة للعنف ضد المرأة، فإنه أحد العوامل الأساسية في سياق جهد أكثر اتساعاً لوقف الإساءات ومحاسبة المرتكبين. وسوف تدرس الأقسام اللاحقة من هذا التقرير دور نظام العدالة غير الرسمي في التعامل مع حالات العنف ضد المرأة.
الوضع السياسي والقانوني للأراضي الفلسطينية المحتلةأدت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1949 واتفاقية الهدنة عام 1949 بين إسرائيل والدول العربية المجاورة (سوريا ولبنان ومصر والأردن) إلى تقسيم الأراضي الفلسطينية التي كانت تحت الانتداب إلى: إسرائيل، والضفة الغربية، وقطاع غزة. وفي فترة 1948 1967، خضعت الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى الإدارة الأردنية التي ضمت هذه المناطق رسمياً عام 1950، بينما وضعت مصر قطاع غزة تحت إدارةٍ عسكرية. وقام كلٌّ من الأردن ومصر بإنفاذ قوانينه على المناطق الواقعة تحت سيطرته.
ونتيجةً لحرب 1967، استولت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة (وهي المناطق التي نشير إليها من الآن فصاعداً باسم الأراضي الفلسطينية المحتلة). وفي عام 1980 ضمت إسرائيل القدس الشرقية وأعلنت القدس عاصمةً أبديةً موحدة لها بموجب قانون أساسي اسمه "قانون القدس"، وأخضعت سكان القدس الشرقية الفلسطينيين إلى القوانين الإسرائيلية. ولم يعترف المجتمع الدولي بالقدس الشرقية كجزءٍ من دولة إسرائيل. وبعد حرب 1967 أقامت إسرائيل إدارةً عسكرية لحكم السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان حجر الزاوية في الإدارة العسكرية الإسرائيلية نظامٌ يضم أكثر من 2,500 أمر عسكري إسرائيلي حكمت جميع جوانب الحياة المدنية وفرضت عليها قيوداً جديدة، بما في ذلك حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية التنظيم.1 وقد أضاف هذا النظام مجموعة جديدة من القوانين إلى المزيج المعقد الموجود أصلاً والمتكون من القوانين العثمانية والبريطانية والمصرية والأردنية.2
وفي ديسمبر/كانون الأول 1987، قام سكان الأراضي المحتلة الفلسطينيون بانتفاضةٍ شعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي عرفت باسم الانتفاضة الأولى.3 وبعد فشل المفاوضات السلمية في مدريد وواشنطن عام 1993، بدأت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية4 مفاوضاتٍ سرية في أوسلو أدت إلى توقيع إعلان مبادئ في حديقة البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول 1993. ويعرف إعلان المبادئ هذا مع ما تلاه من اتفاقياتٍ إسرائيلية فلسطينية باسم اتفاقيات أوسلو5 التي استندت إلى مبدأ الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير ونصت على فترةً انتقاليةً من خمس سنوات تنسحب خلالها إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة ويقيم الفلسطينيون حكماً ذاتياً في هذه المناطق، بما يتضمنه ذلك من ممارسة مهام الشرطة تجاه السكان. وكان من المفترض أن تؤدي الفترة الانتقالية إلى مفاوضات "الوضع النهائي" عام 1999، وذلك فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ووضع القدس ورسم الحدود النهائية وتقاسم الموارد المائية.
ومنذ فشل مفاوضات الوضع النهائي في كامب ديفيد6 واندلاع الانتفاضة الثانية7 عام 2000، دخلت عملية أوسلو في سبات طويل. وبعد ذلك قامت إسرائيل بعدة إجراءات من جانبٍ واحد كانسحاب القوات الإسرائيلية والمستوطنين من قطاع غزة عام 2005، وبناء السور الإسمنتي والحديدي (نشير إليه من الآن فصاعداً باسم "الجدار") الذي يقع أساساً في أراضي الضفة الغربية، والذي يتوقع أن يفضي إلى إلحاق قرابة 10% من الضفة الغربية بما في ذلك كبرى المستوطنات الإسرائيلية، وذلك كأمرٍ واقع.8
وبنتيجة اتفاقيات أوسلو، أقامت منظمة التحرير السلطة الفلسطينية المؤلفة من رئيس السلطة ومجلس الوزراء والهيئة التشريعية. وفي يناير/كانون الثاني 1996 جرت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المؤلف من 88 مقعداً.
أما منصب رئيس السلطة الفلسطينية ففاز به ياسر عرفات رئيس حركة فتح ومنظمة التحرير، وذلك في انتخاباتٍ رئاسية ترافقت مع فوز فتح بغالبيةٍ ساحقة من مقاعد المجلس التشريعي. وكان ذلك فاتحةً لعشرة سنوات من حكم الحزب الواحد. وقد تمثلت النساء بنسبة 3.7 % من المرشحين وفزن بخمسة مقاعد (5.6%) في أول مجلس تشريعي فلسطيني.9 وكانت معظم الفصائل السياسية الفلسطينية قد رفضت المشاركة في انتخابات 1996 احتجاجاً على اتفاقيات أوسلو التي عارضتها لأسبابٍ مختلفة منها أن هذه الاتفاقيات لم تضع نهايةً للاحتلال الإسرائيلي ولم توقف بناء المستوطنات غير الشرعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكانت حماس (حركة المقاومة الإسلامية)، وهي جماعةٌ مسلحة نشأت كفرعٍ للإخوان المسلمين في غزة عام 1987 وهي مسئولة عن كثيرٍ من الهجمات التي استهدفت المدنيين الإسرائيليين منذ عام 1993، من بين المنظمات التي قاطعت الانتخابات. وما لبثت هذه الحركة أن تحدت الاحتكار السياسي الذي تمارسه فتح بأن كونت لنفسها قاعدةً لجماهيرية عبر نشاطاتها التعليمية والثقافية والاجتماعية.10
تقسم اتفاقيات أوسلو الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى مناطق ثلاث (انظر الخريطة على الصفحة 2). وهي تمنح السلطة الفلسطينية سيطرة أمنيةً ومدنية في المنطقة "أ" (التي تضم أكبر المدن الفلسطينية لكنها لا تمثل إلا 17% من أراضي الضفة الغربية)، وسيطرةً مدنية في المنطقة "ب" (المراكز السكانية الفلسطينية الصغيرة خارج المدن)، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية في المنطقة "ب". كما احتفظت إسرائيل بالسيطرة المدنية والأمنية معاً في المنطقة "ج"، وهي ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة (وتضم بعض التجمعات السكانية الفلسطينية الصغيرة)، وكذلك بسيطرتها على المستوطنات والقواعد العسكرية الإسرائيلية والطرق التي تربط المستوطنات بإسرائيل، إضافةً إلى احتياطي كبير من الأراضي. وتشكل المنطقة "ج" التي أبقت إسرائيل لنفسها سيطرةً حصريةً عليها 60% من الضفة الغربية. وبسبب الطبيعة الجغرافية غير المستمرة للمناطق الثلاث، فإن المنطقة "ج" تجزئ المناطق الواقعة ضمن الفئتين "أ" و"ب".11 وهذا الاستقلال الذاتي المجزأ والمحدود يجعل من الصعب جداً على السلطة الفلسطينية ممارسة حكم فعال، الأمر الذي تفاقم منذ بدء الانتفاضة الثانية.
ولعل أهم ما في الأمر بالنسبة لموضوع البحث هنا هو أن لنظام العدالة الجزائية الفلسطيني ولايةً قانونيةً محدودة في الضفة الغربية. فالمحاكم الفلسطينية غير قادرةٍ على النظر إلا في القضايا المقامة في المنطقتين "أ" و"ب"، ولا يحق للشرطة الفلسطينية تنفيذ القرارات القضائية في المنطقة "ج". وتقول مها أبو ديّة شماس، مديرة مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، أن نظام الولاية القانونية المجزأ هذا يعتبر أخطر العقبات التي تعترض الإدارة الفعالة للعدالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.12
وخلال الانتفاضة الثانية أعادت إسرائيل احتلال المنطقة "أ" في الضفة الغربية وفرضت على سكانها الفلسطينيين حظر التجول والإغلاق لفتراتٍ زمنية طويلة، وقامت بعملياتٍ عسكرية محدودة في مناطق مكتظة بالسكان. ومع أن هذه العمليات كانت في الظاهر تستهدف المقاتلين الفلسطينيين الذين يشنون الهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين والجيش الإسرائيلي، فإن الهدف الفعلي كان في الغالب مؤسسات السلطة الفلسطينية وعامليها، بما في ذلك الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وذلك لأن إسرائيل تدعي أن السلطة الفلسطينية لم تقم بما فيه الكفاية لوقف هجمات المقاتلين الفلسطينيين.13
وفي أوقات تصاعد الانتفاضة الثانية في فترة 2001 2003، كان لعودة الاحتلال العسكري الإسرائيلي وللقيود المفروضة على الحركة وللعمليات العسكرية أثرٌ ضار على أجهزة الحكومة الفلسطينية. فلم يكن المجلس التشريعي قادراً على الاجتماع إلا عن طريق عقد المؤتمرات الهاتفية المرئية. ولم تستطع المحاكم العمل إلا على نحوٍ متقطع إذ لم يكن القضاة والمحامون والمُدٌعون والمُدٌعى عليهم بقادرين على اجتياز نقاط التفتيش والوصول إلى المحاكم، كما لم يعد الناس قادرين على تحمل رسوم المحاكم. ولم يكن هناك من ينفذ القرارات القضائية، حيث توقف عمل الشرطة الفلسطينية إلى حدٍّ بعيد بفعل تدمير الإسرائيليين لمخافر الشرطة والسجون واستهداف العاملين فيها. وفي ديسمبر/كانون الأول 2001، وضعت إسرائيل ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية آنذاك، تحت الإقامة الجبرية الفعلية داخل مقر الرئاسة المدمر جزئياً والمحاصر في رام الله. وقد بقي هناك حتى سفره للعلاج ثم وفاته في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني 2004. وفي فبراير/شباط 2005، اتفقت إسرائيل والسلطة الفلسطينية على وقفٍ فضفاض لإطلاق النار مثّل نهايةً لأكثر الفترات عسكرةً خلال الانتفاضة. وبدأت إسرائيل منذ ذلك الوقت تعيد نقل السيطرة الأمنية في بعض أجزاء المنطقة "أ" إلى السلطة الفلسطينية. وراحت الشرطة الفلسطينية تعمل بقدرٍ أكبر من العلنية والانتظام، لكن كثرة التوغلات العسكرية الإسرائيلية أدت إلى استمرار محدودية حركة الشرطة، وبالتالي محدودية فعاليتها.
وبعد وفاة الرئيس عرفات، نظمت السلطة الفلسطينية انتخاباتٍ جديدة في يناير/كانون الثاني 2005، وأصبح محمود عباس (وهو رئيس الوزراء سابقاً، وعضوٌ في فتح) الرئيس الفلسطيني الثاني. وكان برنامج عباس الانتخابي إنهاء الهجمات العسكرية الفلسطينية ضد إسرائيل وإجراء إصلاح حكومي. ورغم نجاحه في إجراء تغييرات مهمة (شملت المالية والأجهزة الأمنية)، فإن ما حققه لم يكن كافياً لاستعادة الثقة والتأييد الشعبي المتضائل لحركة فتح ومؤسسات السلطة الفلسطينية.
وجرت الانتخابات الثانية لعضوية المجلس التشريعي في ظل السلطة الفلسطينية يوم 25 يناير/كانون الثاني 2006، وأسفرت عن فوزٍ ساحقٍ لحركة حماس التي قررت إنهاء مقاطعتها للانتخابات وكانت تستعد لدور حزب المعارضة الرئيسي. حيث فازت الحركة بنسبة 44% من أصوات الناخبين وأحرزت 56% من مقاعد المجلس التشريعي، أو 74 من أصل 132 مقعداً.14 وارتفع تمثيل النساء في المجلس الجديد إلى 17 مقعداً، أي 13% (تمثل فتح وحماس وعدد من الأحزاب الأخرى). وكان ذلك جزئياً بفضل الحصة الجديدة التي خصصت للنساء.15 وأقسمت الحكومة الجديدة بقيادة حماس اليمين الدستورية في 29 فبراير/شباط 2006. لكن إسرائيل والقسم الأكبر من المجتمع الدولي قطعا جميع العلاقات بالسلطة الفلسطينية احتجاجاً على رفض حماس المستمر الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف.16 كما أوقفت إسرائيل تحويل إيرادات الضرائب الفلسطينية التي تبلغ 50 60 مليون دولار شهرياً. وقطعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان جميع المساعدات المباشرة المقدمة إلى السلطة الفلسطينية.
وبحلول سبتمبر/أيلول 2006، أصبحت السلطة متأخرة ستة أشهر عن دفع رواتب موظفيها البالغ عددهم 165,000 شخصاً (بينهم 70,000 في الأجهزة الأمنية). وتوقف كثيرٌ من الموظفين عن الذهاب إلى العمل، ولم يعد بمقدور كثيرٍ منهم تحمل نفقات المواصلات حتى مكان العمل. وقد بدأ كثيرٌ من المعلمين والعاملين في الصحة إضراباً مفتوحاً منذ 2 سبتمبر/أيلول. وتقول منظمات الأمم المتحدة ومصادر دولية أخرى أن الأراضي الفلسطينية المحتلة أضحت على حافة انهيار اقتصادي وأزمة إنسانية.17
وكانت السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، وبعد توليها الحكم عام 1996، قد فقدت قدراً كبيراً من التأييد الداخلي بفعل الفساد الشديد وسوء الإدارة وعدم قدرتها على حماية المدنيين الفلسطينيين من الجيش الإسرائيلي أو على فرض القانون والنظام في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك بسبب فشلها في تحقيق أي قدرٍ ملموس من التحسن الاقتصادي والاجتماعي كنتيجة للعملية السلمية. وفي عام 1999، أي بعد انقضاء الموعد المحدد لمفاوضات الوضع النهائي، تزايد السخط الشعبي الفلسطيني تجاه القيادة. وتتجه يعض التحليلات إلى تقييم هذا الوضع على النحو التالي:
وحتى في ذروة الانتفاضة عندما تكاتف الفلسطينيون من جديد حول رئيسهم المريض والسجين، ظهرت دعواتٌ داخليةٌ كثيرة إلى الإصلاح. ففي مايو/أيار 2002 أصدر المجلس التشريعي "إعلاناً عن المجلس التشريعي الفلسطيني من أجل إصلاح وتطوير مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية". ودعت تلك الوثيقة إلى الفصل بين السلطات الثلاث وإلى مزيدٍ من الشفافية والمحاسبة، وكذلك إلى تطبيق جميع القوانين والقرارات التي يتخذها المجلس التشريعي، وإلى الإصلاح الإداري وخفض عدد أفراد الأجهزة الأمنية وتوحيدها ضمن عددٍ أقل من الأجهزة ووضعها تحت كل من سلطة وزارة الداخلية ومراقبة المجلس التشريعي، إضافةً إلى بناء الموارد البشرية والمادية لدى السلطة القضائية، وإكمال العمل التشريعي لضمان استقلالية القضاء، وإلغاء محكمة أمن الدولة العليا.19
وكان من المظاهر الواضحة لفشل السلطة الفلسطينية تزايد حالة الفوضى وانعدام القانون في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والواقع هو أن السلطة الفلسطينية لم تتمتع يوماً باحتكار استخدام القوة في الأراضي المحتلة. وهذا عائدٌ إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي من ناحية، وإلى كثرة التوغلات العسكرية الإسرائيلية ومحدودية صلاحيات السلطة الفلسطينية في الأمور الأمنية من ناحيةٍ أخرى؛ وهو عائدٌ أيضاً إلى العنف الذي تمارسه الجماعات المسلحة التابعة لمختلف الفصائل السياسية وهي أفضل تسليحاً من قوات الأمن الفلسطينية نفسها.20 وفضلاً عن هذا، فإن معظم أجهزة الأمن الفلسطينية (وعددها عشرة)21 لا تملك تسلسلاً عسكرياً واضحاً؛ وثمة تداخلٌ في وظائفها. فقد وضع عرفات نظاماً يكون قادة الأجهزة الأمنية فيه مسئولين أمامه مباشرة. ويعتمد مقدار رعايته لهم على ولائهم، فهم في حالة تنافسٍ مستمر ولا يمكن لأيٍّ منهم أن يملك ما يكفي من القوة لتحدي حكمه.
ونتيجةً لانهيار عمل الشرطة الرسمية منذ بدء الانتفاضة الحالية في سبتمبر/أيلول 2000، تزايد لجوء الفلسطينيين إلى الوسائل التي كانوا يتبعونها لتسوية نزاعاتهم في الماضي. ونشبت اشتباكات في الشوارع بين الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة تضمنت إصابة عابري السبيل واقتحام مقرات الحكومة واغتيال الخصوم السياسيين أو الموظفين الحكوميين، وكذلك اختطاف أجانب يعملون في الأراضي الفلسطينية المحتلة.22 وقد أفضى هذا الوضع إلى مزيدٍ من التدهور في ثقة الناس بقوات الأمن الفلسطينية، وإلى ازدياد مصادرة وظائف الأمن من قبل قيادات العشائر23 الأقوياء، وكذلك من قبل الجماعات المسلحة. وبعد قيام حكومة حماس في مارس/آذار 2006، ومع إنشاء قوة أمنية جديدة تخضع لنفوذ الحركة في مايو/أيار، ازدادت الصدامات بين الأجهزة الأمنية، وخاصةً في شوارع غزة، موقعةً عدة إصاباتٍ أسبوعياً في شهر سبتمبر/أيلول 2006.
نظام العدالة الجزائية الفلسطيني"ليس لدينا قانون ولا احترامٌ لأي قانون. ونحن لا نكتفي بالمطالبة بتغيير القانون وأصول المحاكمات الجزائية، بل نطالب بتغيير يطال النظام القضائي كله" - المحامية حليمة أبو صلب، مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، رام الله، 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2005.
الشرطة الفلسطينيةسمحت اتفاقيات أوسلو بإقامة شرطة مدنية فلسطينية في المنطقتين "أ" و"ب" لحفظ النظام العام وإنفاذ القانون وإجراء أعمال البحث الجنائي. وتلقت الشرطة المساعدة والتدريب من المانحين الدوليين، وكانت تتمتع بقدرٍ جيدٍ من الاحترامٍ في التسعينات. وأثناء تصاعد الانتفاضة الثانية، دمر الجيش الإسرائيلي كثيراً من مخافر الشرطة الفلسطينية وسياراتها وأجهزة وشبكات الاتصال وإمدادات الأسلحة ومراكز الاحتجاز في الضفة الغربية وغزة، بما في ذلك مقر قيادة الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية عام 2002. وخلال هذه الفترة صارت الشرطة في حالة شلل من الناحية العملية. ورغم استمرارها في تلقي الرواتب من السلطة الفلسطينية (بشكلٍ عام)، فقد انضم بعض أفرادها إلى الجماعات المسلحة التي تقاتل الجيش الإسرائيلي علناً. وشهد الوضع بعض التحسن بعد وقف إطلاق النار عام 2005، لكن إسرائيل أوقفت كافة أشكال التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية منذ أن تولت حكومة حماس مهامها في مارس /آذار 2006. ولم يعد بمقدور الشرطة الفلسطينية أو النيابة العامة الحصول على موافقة إسرائيل لدخول أراضي المنطقة "ج".24
وطبقاً لتقييمٍ لأجهزة الأمن أعدته مبادرة التقييم الاستراتيجية عام 2005، فإن الشرطة تفتقر إلى القدرات الفنية وتشكو من تواضع قدراتها العملياتية في غزة وضعفها في الضفة الغربية. وهي غالباً لا تستطيع ملاحقة الهاربين واعتقالهم، إضافةً إلى ضعف اختصاصاتها القانونية، مما أدى إلى ظهور نظام عدالة بديل تحل فيه العائلات والعشائر محل الشرطة المدنية من جوانب عدة. وفي الضفة الغربية الآن 6,800 رجل شرطة إضافةً إلى 12,000 في غزة، وذلك رغم أن سكان الضفة يزيدون سكان غزة بمقدار الضعف.25
ويمثل البحث الجنائي واحداً من أكبر نقاط الضعف الفنية لدى الشرطة الفلسطينية. فقد قال لنا مدرب شرطة في أكاديمية الشرطة بأريحا، وقد تلقى تدريباً على البحث الجنائي في الهند:
ورغم وجود وحدة شرطة نسائية في مقر الشرطة بمدينة غزة، فقد قالت لنا المنظمات النسائية غير الحكومية أن هذه الوحدة معطلة حالياً إلى حدٍّ كبير.27 ويوجد عددٌ قليل من الشرطيات في مخافر الشرطة (عدة شرطيات في كل مخفر عادةً)، لكنهن غالباً لا يرتدين لباس الشرطة، وهن يقمن بمهامٍ إدارية بدلاً من المهام الشرطية. ويقول مدير أكاديمية الشرطة في أريحا أن استقطاب النساء للخدمة في الشرطة، وكذلك الاحتفاظ بهن، شديد الصعوبة بسبب القيود الاجتماعية والعائلية المفروضة على المرأة.28
النيابة العامة والمدعون العامونوفقاً للقانون الفلسطيني، يمكن للنيابة العامة فتح تحقيق في القضايا الجنائية والإشراف على هذا التحقيق، ويمكنها تقديم القضية إلى المحكمة إذا تمكنت من جمع أدلةٍ كافية. ويرأس النيابة العامة نائب عام يعاونه أربعة نواب (اثنان في الضفة واثنان في غزة). ويشرف أفرادٌ من النيابة العامة على التحقيقات التي يجريها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون عادةً. ولدى السلطة الفلسطينية 105 من رؤساء النيابة والمدعين العامين ومساعدي المدعين العامين (منهم 69 في غزة و36 في الضفة الغربية، رغم أن عدد سكان الضفة أكبر من عدد سكان غزة). وتعاني النيابة العامة من الخلافات بين وزارة العدل وبين النائب العام، وهي خلافات ناجمة عن عدم وضوح الأنظمة التي تحكم تقسيم العمل بين الجانبين.29
وكثيراً ما توجه المفوضية الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطنين نقدها إلى النيابة العامة بسبب امتناعها عن التحقيق في كثير من حالات قتل فلسطينيين على يد فلسطينيين آخرين بسبب الشك في تعاملهم مع الإسرائيليين. كما تنتقدها أيضاً لعدم قيامها بزياراتٍ تفقدية منتظمة للسجون ومراكز الاحتجاز وامتناعها على ضمان إطلاق سراح من احتجزوا بشكلٍ غير قانوني.30
القضاء الفلسطينيبعد قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، ورثت هذه السلطة نظاماً قضائياً مفككاً وشبه عاجز جراء ما عاشه من إهمال خلال 30 عاماً من الاحتلال الإسرائيلي.31 ويحتفظ النظام القضائي بعناصر من الأنظمة القضائية الأجنبية المتعددة التي فرضت على الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال القرون الماضية، وهي النظم القضائية العثمانية والبريطانية والمصرية والأردنية والإسرائيلية. كما يعاني هذا النظام من تجزؤ ولايته القانونية والإقليمية وفق ما جاء في اتفاقيات أوسلو حيث يمكن للمحاكم الفلسطينية النظر في القضايا الجنائية المقامة في المنطقتين "أ" و"ب" فقط، وليس في المنطقة "ج". كما لم تمنح اتفاقات أوسلو المحاكم الفلسطينية ولايةً على المدنيين الإسرائيليين (أي المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة)، ولا على قوات الأمن الإسرائيلية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي عام 2001، تحدث تقرير أعدته هيومن رايتس ووتش عن فشل السلطة الفلسطينية في إقامة سلطة قضائية مستقلة وفاعلة خلال التسعينات. وجاء في التقرير: "[فشلت] السلطة الفلسطينية في منح القضاء ما يكفي من الصلاحيات والاحترام والموارد المالية وغيرها. ويعاني القضاء من قلة عدد القضاة والافتقار إلى القضاة المؤهلين، إلى جانب نقص تدريب القضاة والمدعين العامين والمحامين والموظفين القضائيين".32
ويورد التقرير أيضاً تفاصيل عن حالات تدخل السلطة التنفيذية في تعيين القضاة وعزلهم، إضافةً إلى حقيقة تجاهل الأجهزة الأمنية المتواصل لأوامر المحكمة العليا بإطلاق سراح المحتجزين على نحوٍ تعسفي. وقد شهد هذا الوضع بعض التحسن في السنوات الأخيرة بعد أن سن المجلس التشريعي قانون إنشاء مجلس القضاء الأعلى.33 كما توقف عمل محكمة أمن الدولة العليا34 سيئة الصيت منذ عدة سنوات، لكن الرئيس لم يصدر حتى الآن المرسوم الرئاسي اللازم لحل هذه المحكمة بصورةٍ رسمية.35 وكما تقول المادة الوثائقية في تقرير هيومن رايتس ووتش، اشتهرت هذه المحكمة بالمحاكمات التي لا تستغرق إلا ساعاتٍ قليلة حيث يدان المتهم استناداً (فقط، أو على نحو رئيسي) إلى اعترافاته أثناء الحجز الانفرادي.36
وفي فترة تصاعد الانتفاضة الثانية توقف النظام القضائي عن العمل فعلياً. ولم يكد يبدأ استعادة نشاطه إلا عام 2005. وقد قالت لنا إحدى المحاميات: "إن المحاكم الآن أحسن حالاً بقليل، لكن عدد القضاة في محكمة رام الله مازال أقل بكثير مما يحتاجه عدد السكان، ولا يستطيع القضاة النظر في جميع القضايا. وعادةً ما أصل إلى المحكمة في الثامنة والنصف صباحاً لحضور إحدى الدعاوى لأجد أن الجلسة قد أجلت ستة أشهرٍ أخرى".37 وفي أواخر 2005، حضرت هيومن رايتس ووتش جلسة الاستماع الأولى في دعوى اغتصاب في رام الله، وكانت القضية مجمدةً منذ خمس سنوات.
ويتألف النظام القضائي الفلسطيني من المحاكم العادية (التي تنظر في القضايا المدنية والجزائية) ومن المحاكم الشرعية/الدينية التي تنظر في قضايا الأحوال الشخصية (المحكمة الشرعية للمسلمين والمحاكم الروحية للجماعات غير الإسلامية المعترف بها).38
ويتألف نظام المحاكم العادية من درجتين، إضافةً إلى محكمة التمييز. وتضم الدرجة الأولى محاكم الصلح التي تنظر في القضايا المدنية والجزائية التي لا تتجاوز عقوبتها حداً معيناً أو التي لا يتجاوز حجم الضرر فيها قدراً معيناً. وفي محاكم الصلح العشرين (ستة في غزة و14 في الضفة الغربية) 35 قاضياً، وهي تعاني مشكلةً مزمنة تتمثل في تراكم الدعاوى.39 ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2004 كانت 1591 قضية وشكوى تنتظر الدراسة في محكمة صلح قلقيلية التي تضم قاضياً واحداً.40
وتعمل محاكم البداية إما بوصفها محاكم درجة ثانية بالنسبة لأحكام محاكم الصلح التي يجري استئنافها أمامها، أو كمحاكم درجة أولى بالنسبة للقضايا المدنية والجزائية التي تتجاوز اختصاص محاكم الصلح. وتوجد 12 محكمة بداية (ثلاثة في غزة وتسعة في الضفة الغربية) يعمل فيها 50 قاضياً. وتعاني هذه المحاكم نفس مشكلة تراكم الدعاوى التي تعانيها محاكم الصلح.41 ويمكن استئناف القضايا التي تفصل فيها محاكم البداية أمام محكمة الاستئناف (استئناف قرارات محكمة البداية). وثمة محكمتين استئنافيتين، واحدة في الضفة الغربية وواحدة في غزة. ويبلغ مجموع القضاة فيهما 15 قاضياً.42
وتعمل المحكمة العليا إما كمحكمة تمييز (المحكمة النهائية التي تنظر في استئناف قرارات المحاكم الأدنى في القضايا المدنية والجنائية والتجارية) أو كمحكمة عدل عليا تنظر في ال |