![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Israel and the Occupied Palestinian Territories Israel and the Occupied Palestinian Territories ![]() |
III. العقبات الاجتماعية والقانونية أمام الإبلاغ عن العنف وطلب التعويضنادراً ما تقوم النساء والفتيات الفلسطينيات بإبلاغ السلطات عن العنف. ويصح هذا سواءٌ كانت الجريمة عنفاً زوجياً أو إساءةً إلى الأطفال أو اغتصاباً أو سفاحاً بين المحارم أو جرائم شرف. وتدل قلة حالات الإبلاغ عن هذه الجرائم على أهمية العقبات الاجتماعية والقانونية التي مازالت تعترض سبيل منع العنف ذي الأساس الجنسي ومعالجته في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وطبقاً لاستطلاع أجراه مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني في ديسمبر/كانون الأول 2005 ويناير/كانون الثاني 2006 وشمل 4212 أسرةً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لم تحاول إلا نسبة صغيرة من ضحايا العنف التماس الإنصاف لدى المؤسسات الفلسطينية.92 وهناك 23% من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع ممن تعرضن للعنف الجسدي، بينما تعرضت 61.7% إلى العنف النفسي، وتعرضت 10.5% إلى عنفٍ جنسي من جانب الزوج. ولم تتقدم بشكوى رسمية إلى الشرطة ضد الزوج إلا نسبة 1.2% من النساء المستطلعات اللواتي تعرضن لعنفٍ منزلي؛ كما لم يحاول سوى أقل من 1% منهن الحصول على المشورة والحماية لدى الشرطة.
وتعزو المنظمات النسائية غير الحكومية انخفاض نسبة الإبلاغ عن العنف إلى جملةٍ من العوامل مثل: قناعة النساء بعدم جدوى التماس العدالة؛ والوصمة الاجتماعية التي قد تنتج عن شكايا العنف الأسري أمام السلطات؛ والخطر المحتمل على حياة من تبلغ عما يصيبها من إساءة؛ وحقيقة كون مرتكب العنف معيلاً وحيداً في الأسرة أغلب الأحيان.93
وليست النساء وحدهن من يقع ضحية العنف الأسري بطبيعة الحال، لكن وحتى عندما تكون الضحية أحد الأقارب الذكور، فإن المرأة لا تستطيع أن تفعل شيئاً. وتصف عبير خير (اسم مستعار)، 20 عاماً، المزيج المكون من الخوف والضغوط الاجتماعية والوصمة الاجتماعية الذي منعها من شكايا إساءة والدها وأعمامها إلى السلطات:
وتبين استطلاعات الرأي العام أيضاً أن المجتمع الفلسطيني يتغاضى عن العنف ضد النساء إلى درجةٍ كبيرة ولا يشجع النساء على الإبلاغ عن سوء المعاملة. وقد وجد استطلاع شمل 1133 امرأةً وقامت به عام 2002 جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية بالتعاون مع المركز الفلسطيني للرأي العام في بيت ساحور، أن 53.7% ممن شملهن الاستطلاع يجدن من غير الملائم أن تتدخل الشرطة عندما يعتدي رجلٌ على زوجته؛ ورأت 55.5% منهن أنه يجدر بمن يضربها زوجها أن لا تتحدث بالأمر مع أحدٍ باستثناء والديها.95 وعندما سألنا من تعرضن للعنف عن سبب عدم تركهن الزوج المسيء، قالت 70% منهن أنهن رفضن مغادرة المنزل بسبب الخشية من فقدان حضانة الأطفال. ورأت 50% تقريباً أن الطلاق وصمة اجتماعية كبيرة جداً، بينما قالت 21.9% أنه لا يوجد مكانٌ يذهبن إليه إذا غادرن المنزل.
وفي مدينة الخليل مشاكل خاصة تعترض كلاً من عناصر الشرطة والضحايا اللواتي يحاولن الإبلاغ عن تعرضهن للإساءة. والخليل واحدةً من أكثر مدن فلسطين تقليديةً ومحافظةً حيث يعتبر أي تدخلٍ خارجي في "مشاكل الأسرة" أمراً غير مقبول. وقال مدير الشرطة لنا أنه "يمكن أن تُفقأ عين المرأة في الخليل، ثم تظل شديدة الخوف من المجتمع لدرجة تجعلها لا تبلغ الشرطة بالأمر".96 وتزداد الصعوبات التي تواجهها نساء الخليل تفاقماً بفعل حقيقة استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على جزء من المدينة (يدعى H2) وعدم قدرة الشرطة الفلسطينية على دخول هذا الجزء دون تصريح.97 ويقول عوني السماري، مدير شرطة الخليل، أن الشرطة تواجه صعوبةً كبيرة في توقيف مرتكبي الجرائم لأن "كل من يهربون من القانون الفلسطيني يذهبون إلى هذه المناطق [التي هي خارج صلاحيتنا]".98 كما يصعب على نساء المنطقة H2 الوصول إلى مخفر الشرطة لأنه يقع خارج تلك المنطقة.
وهناك أيضاً تقارير من مدن أخرى يتولى الجيش الإسرائيلي الأمور الأمنية فيها تفيد بأن النساء والفتيات الفلسطينيات يترددن بشكلٍ خاص حيال شكايا الإساءات التي يتعرضن لها إلى سلطات الاحتلال.99 ففي هذه المدن لا يؤدي الجيش الإسرائيلي وظيفة الحماية الخاصة بعمل الشرطة (ولم يحاول ذلك أبداً)، وهذا مخالفٌ لواجباته بوصفه قوة محتلة.
وعلاوةً على هذه العقبات القانونية والاجتماعية، لا يلعب التشريع التمييزي النافذ في الضفة الغربية وغزة والمذكور أعلاه دور الرادع في وجه العنف، كما لا ينصف الضحايا من الإساءة التي يتعرضن لها. والواقع أن قوانين العقوبات خاصةً، وطريقة تفسيرها وتنفيذها من الناحية العملية، تؤدي إلى إفلات مرتكبي العنف ضد النساء والفتيات الفلسطينيات من العقاب.100
العنف الزوجيوكما تمت الإشارة في بداية هذا الفصل، خلص استطلاعٌ نشره مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني أوائل عام 2006 إلى أن 23.3% من النساء المتزوجات في الضفة الغربية وغزة قمن بالإفادة بتعرضهن للعنف المنزلي في عام 2005، بينما قالت 61.7% أنهن تعرضن للعنف النفسي خلال ذلك العام.101 وتتحدث عدة منظمات نسائية فلسطينية عن زيادةٍ في وتيرة العنف (المرتفعة أصلاً) ضد النساء عقب الانتفاضة الثانية. وطبقاً لاستطلاعٍ أجراه مشروع موارد النساء اللاجئات عام 2002، فإن قرابة 90% من المشاركين في الاستطلاع قالوا أن العنف ضد المرأة "ازداد، أو ازداد بشكلٍ كبير، نتيجةً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة في الأراضي الفلسطينية".102 وثمة أدلةٌ أيضاً على أن الاغتصاب الزوجي منتشرٌ في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويكشف استطلاع أجراه مركز شئون المرأة في غزة عام 2001 أن 46.7 % من أصل 670 امرأة جرت مقابلتها تحدثن عن استخدام أزواجهن "القوة والوحشية" أثناء الجماع؛ وقالت 17.4% منهن أن أزواجهن يضربونهن من أجل ممارسة الجنس؛ وقالت 35.9% أن أزواجهن يهددونهن ويخوفونهن للحصول على طاعتهن.103
إن أمام المرأة الفلسطينية التي تعيش زواجاً عنيفاً أو خطراً على حياتها خيارين اثنين: اتهام الزوج بالإساءة إليها، أو طلب الطلاق بسبب الأذى الجسدي. ويتطلب هذان الحلان أدلةً على العنف الشديد ويلقيان بعبء الإثبات الفادح على عاتق الضحية. ولا يعترف قانون العقوبات الأردني أو قانون العقوبات المصري النافذان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالعنف الجنسي المرتكب ضمن إطار الزواج.
وبسبب عدم وجود تشريع يختص بالعنف الأسري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يتوجب على ضحايا العنف من الراشدين الاعتماد على أحكام قانون العقوبات العام الخاصة بالاعتداء عندما يريدون توجيه الاتهام إلى مرتكب العنف. ولا يقدم هذان القانونان عونٍا كبيرا للضحايا إلا إذا كانت الأذية اللاحقة بهم كبيرةً جداً. وتعتمد العقوبات التي تفرضها المادة 33 من قانون العقوبات الأردني (المطبق في الضفة الغربية) على عدد الأيام التي تمضيها الضحية في العلاج.104 وكما في جميع قضايا الاعتداء، يمكن للقاضي عدم النظر في القضية واعتبارها "مخالفة بسيطة" إذا احتاج علاج الضحية أقل من 10 أيام.105 وفي هذه الحالات تحاول النيابة العامة أيضاً المصالحة بين الطرفين بدلاً من توجيه الاتهام.106 ويسمح القانون للقاضي بفرض عقوبة أشد قليلاً عندما يتطلب علاج الضحية 10 20 يوماً. وطبقاً للقانون، لا تكون الملاحقة القضائية إلزاميةً إلا عندما يتطلب علاج الضحية أكثر من 20 يوماً.107 وبما أن ضحية العنف الأسري يمكن أن تذهب إلى المستشفى عدة مرات لمعالجة إصاباتها دون أن تكون لديها نية تقديم اتهام رسمي، فقد لا يكون لديها أوراق طبية تثبت ادعاءها وبوقوع إساءة تتطلب علاجاً مديداً إذا ما قررت فيما بعد توجيه هذا الاتهام بغية الحصول على الطلاق.
ويمكن للمرأة أيضاً أن تطلب الطلاق استناداً إلى إساءة الزوج إليها. لكن قانون الأحوال الشخصية الحالي يفرض وجود شاهد عيان حتى يتم قبول طلب المرأة؛ وهذا أمرٌ صعبٌ إن لم يكن مستحيلاً في معظم الأحوال. وحتى يستطيع القاضي في الأراضي الفلسطينية المحتلة منح المرأة الطلاق استناداً إلى العنف الأسري (تفريق لعلة النزاع والشقاق)، فإن القانون يفرض على المرأة الفلسطينية تقديم شاهدين وتقرير طبي صادر عن مستشفى عام لإثبات دعواها.108
وقد قال لنا بعض المحامين أن ضرورة وجود شاهد عيان تمثل عائقاً رئيسياً أمام طلب الطلاق استناداً إلى الأذى الجسدي. وقالت إحدى المحاميات: "عندما تُضرب امرأةٌ في بيتها فمن يستطيع أن يكون شاهداً؟".109 ومما يزيد هذه الصعوبة هو أن القانون لا يقبل شهوداً من أقارب طالبة الطلاق.110 وعادةً ما يطلب القاضي شهادة الزوج أيضاً. ويقول المحامي علاء البكري أن الزوج يستطيع تحت القسم أن ينكر ببساطةٍ إساءته إلى زوجته إذا لم تستطع تقديم الدليل الكافي على الأذى اللاحق بها، فيقوم القاضي بإسقاط التهمة.111 "وأحياناً ترى شقيقة الزوجة ما يصيبها من إساءة، لكن هذا غير كافٍ. إننا بحاجةٍ إلى شاهدين؛ وإذا أقسم الزوج أنه لم يفعل ذلك فالأمر منتهٍ والقضية مقفلة".112 ويقول رئيس محكمة الاستئناف الشرعية القاضي يوسف الديس أن القضاة يردون 50% من دعاوى الطلاق التي تقيمها الزوجات بسبب نقص الأدلة.113
ولا تلجأ إلى القضاء إلا النساء الفلسطينيات اللواتي يعانين درجةً شديدةً من الإساءة. وتقول إحدى المحاميات أن "المرأة [ضحية العنف] تفكر مائة مرة قبل أن تذهب إلى المحكمة. فهي تظن أنها تجلب الفضيحة لنفسها لا غير. وفي جميع الأحوال، لابد من معاودة الإساءة حتى يقتنع القاضي؛ فمرةٌ واحدة غير كافيةٍ أبداً".114
وعلاوةً على العوائق القانونية، غالباً ما تنشأ عوائق مالية واجتماعية يكاد يستحيل التغلب عليها تعمل على منع المرأة الفلسطينية من ترك الزوج المسيء إليها. ويقول عددٌ من الأخصائيين الاجتماعيين أن كثيراً من النساء اللواتي يستفدن من خدماتهم يبقين في كنف أزواج يمارسون العنف بحقهن لأن الأهل لا يرغبون أو لا يستطيعون تحمل الكلفة المالية المترتبة على إعالة أطفال الضحية. ومع انخفاض نسبة مشاركة المرأة في قوة العمل، تكون معظم النساء غير قادراتٍ على إعالة أنفسهن وأطفالهن. ولا ترغب المرأة بترك أطفالها مما يجعلها لا ترى أمامها خياراً إلا أن تبقى عرضةً للعنف كما هي. وقد تحدثت امرأةٌ لهيومن رايتس ووتش عن صعوبة الاختيار بين البقاء مع زوجٍ يسيء إليها جسدياً وجنسياً وبين فقدان أطفالها:
دفع اليأس بعض النساء الفلسطينيات إلى قتل أزواجهن الذين يسيئون إليهن. وقد تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى كثيرٍ من النساء اللواتي يشعرن أن ما من سبيلٍ أمامهن للخلاص من المعاناة إلا قتل أزواجهن. وقالت لنا إحداهن، وهي مريم إسماعيل (اسم مستعار)، 35 عاماً، أنها كانت مجبرةً على فعل ذلك بعد أن تحملت الإساءات الجسدية والجنسية لسنواتٍ طويلة:
وعند إجراء هذه المقابلة، كانت مريم في سجن نابلس تنتظر محاكمتها بتهمة القتل.
الإساءة إلى الأطفالإن الأطفال الفلسطينيين، وخاصةً البنات، معرضون للعنف الجسدي والجنسي ضمن الأسرة كما هي حال الأطفال في العالم كله. وثمة حاجةٌ إلى القوانين الملائمة التي تحميهم. وقد وجد استطلاعٍ نشره مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني عام 2005 أن 51.4% من الأمهات يعتقدن أن واحداً على الأقل من أطفالهن (من 5 إلى 17 سنة) يتعرض للعنف. وكانت الغالبية الساحقة من حالات العنف هذه (93.3%) من قبل أفراد العائلة.117 وفي دراسةٍ أخرى قالت 80% من البنات الفلسطينيات بين 5 و 17 عاماً أنهن يتعرضن إلى العنف في المنزل.118
وروت لنا فتاةٌ من غزة كيف أصاب عنف والدها الأسرة منذ بدء الانتفاضة:
وقد هربت كريمة أحمد (اسم مستعار)، وهي فتاةٌ أخرى تبلغ 19 عاماً، إلى أحد الملاجئ عندما كان عمرها 17 عاماً للخلاص من عنف والدها وزوجته. وحاولت الانتحار عدة مرات أثناء وجودها في الملجأ. وقد قالت لنا:
وبما أن كريمة لم تخبر الشرطة بما تعرضت له، وبما أن والدها وزوجته لم يلاحقا قضائياً، فمن غير الواضح ما إذا كانت ستجري محاسبتهما على ما فعلاه بالنظر إلى الثغرات الخطيرة في القانون الفلسطيني فيما يتعلق بالإساءة إلى الأطفال. وفي حين يحظر الدستور الفلسطيني (أو القانون الأساسي) العنف ضد الأطفال،121 فإن قانون العقوبات الأردني المطبق في الضفة الغربية يسمح للوالدين بتأديب الأطفال عبر استخدام العنف الجسدي. وتقول المادة 62 من هذا القانون: "لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة. ويجيز القانون ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم على نحو ما يبيحه العرف العام".122 وتنكر المادة 286 من هذا القانون على الأطفال الذين يقعون ضحية سفاح القربى حق توجيه الاتهام بالإساءة الجنسية. ولا يمنح القانون حق توجيه الاتهام بسفاح القربى نيابةً عن القصّر إلا لأحد أفراد الأسرة، وقد يكون هو من ارتكب ذلك الفعل.123 وفي عام 2004، قالت المنظمة الدولية للدفاع عن الأطفال/قسم فلسطين "إن النظام القانوني الحالي، وهو خليطٌ من خمسة أنظمة قانونية على الأقل، لا يفتقر إلى الوحدة وتلبية المعايير الدولية فحسب، بل هو قاصر بشكل خطير عن حماية مصلحة الطفل".124
سنت السلطة الفلسطينية قانون الطفل في يناير/كانون الثاني 2005،125 وكانت تلك خطوةً باتجاه عدم التسامح مع الإساءة إلى الأطفال في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويعدد القانون الحقوق الأساسية الاجتماعية والثقافية والصحية التي يضمنها لأطفال فلسطين داخل الأسرة والمجتمع الفلسطينيين؛ وهو يذكر أيضاً التدابير والآليات الوقائية المتاحة لهم. ومن أبرز سمات هذا القانون إنشاء آلية للإبلاغ عن العنف من خلال إحداث مديرية حماية الطفولة في وزارة الشئون الاجتماعية. وهذه المديرية مسئولة عن "ضمان عدم تعرض الأطفال إلى العنف في الأماكن العامة والخاصة، وعن الإشراف على رعاية الأطفال الذين تعرضوا للعنف".126 ويتضمن القانون أيضاً حكماً عاماً ينص على أن الأطفال "يملكون حق الحماية من جميع أشكال العنف والأذى الجسدي والنفسي والجنسي، وكذلك من الإهمال والتشرد وأي شكلٍ آخر من سوء المعاملة أو الاستغلال". لكن، ومن غير إلغاء ما يتضمنه قانون العقوبات من أحكامٍ لا تسمح لغير الأقارب الذكور بتقديم تهم السفاح نيابةً عن القصّر، فإن ضمانات الحماية التي يحملها قانون الطفل تفقد مغزاها إلى حدٍّ كبير. وقد انتقدت المنظمات غير الحكومية التعريف الحصري الوارد في القانون لـ "الحالات الصعبة" التي تستحق حمايةً خاصة،127 وانتقدت امتناعه عن التحديد الدقيق للجهة الحكومية المسئولة عن تطبيق تدابير الحماية الواردة في القانون، إضافةً إلى أنه لا ينص على الالتزام باتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الطفل.128
العنف الجنسييقع عددٌ غير معروف من النساء والفتيات الفلسطينيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة ضحية الإساءة الجنسية كل سنة. ويقول العاملون الاجتماعيون الفلسطينيون أن عدداً قليلاً منهنّ يبلغن السلطات أو الأسرة عن هذا العنف. كما يصل عددٌ أقل إلى النيابة العامة بسبب الوساطات التي تحدث أحياناً بين الضحية والمغتصب، أو بين الأسرتين.129 وقد قال لنا نائبٌ عام عمل لأكثر من ست سنوات في الخليل وبيت لحم أنه لم يتعامل إلا مع قضيتي عنف جنسي طوال هذه الفترة.130
وإضافةً إلى خوف الضحية من لوم الأسرة، أو من أذاها، نتيجةً لما تعرضت له،131 فإن عدداً من العقبات القانونية تعترض سبيل الضحية التي تقصد القضاء الفلسطيني سعياً وراء العدالة في حالات العنف الجنسي. ومن هذه العقبات الطبيعة التمييزية والمسيئة للقوانين التي تمنع القصّر من تقديم الاتهام بالسفاح وتسمح للمحاكم بوقف تنفيذ الحكم بحق المغتصب الذي يوافق على الزواج من ضحيته. كما يمثل غياب الخبرات والأدوات الضرورية للبحث الجنائي في قضايا العنف الجنسي عقبةً إضافية. وطبقاً لما قاله المدعي العام الذي سبق ذكره فإن "المشكلة الأولى في فلسطين هي أنه يصعب جداً إجراء هذا النوع من البحث الجنائي لأننا لا نملك القدرة الفنية على جمع الأدلة أو إجراء الفحوصات المخبرية".132
تلحق وصمةً عار اجتماعي بضحايا العنف الجنسي في فلسطين. فالنساء والفتيات اللواتي يبلغن عن اغتصابهن أو تعرضهن لسفاح القربى يتعرضن لخطرٍ كبير يتمثل في وقوع اعتداءاتٍ جديدة، بل في قتلهن أيضاً على يد أفراد العائلة الساعين إلى إزالة هذه "اللطخة" عن سمعة العائلة. وتقول إحدى العاملات الاجتماعيات أن حالات السفاح تشهد "
وتقول إحدى العاملات الاجتماعيات أن أفراد الأسرة يمنعون كثيراً من الفتيات اللواتي يقعن ضحية الاغتصاب والسفاح من إتمام تعليمهن، ويجبروهن على الزواج المبكر لتغطية الأمر.135 وغالباً ما تؤدي هذه الزيجات إلى استمرار دورة العنف والإساءة واشتدادها. والواقع كما نرى لاحقاً هو أن الزواج يعفي المغتصب من الملاحقة القضائية على فعلته. وتقول إحدى ناشطات حقوق المرأة:
ويعترف القضاة بأن هذا الوضع يمثل مشكلةً. ويقول القاضي هاني الناطور: "ثمة كثيرٌ من حالات الاغتصاب، لكن ما يصل منها إلى القضاء ليس إلا نسبةً محدودة. فالناس تخاف الفضيحة، وهذا ما يجعل النسبة محدودةً. كما أن قضايا السفاح قليلةٌ جداً، إذ لا يبلغ عنها إلا من كان شديد الشجاعة وعارفاً بالقانون".137
إن التصنيف القانوني للجرائم الجنسية في قانون العقوبات في الضفة الغربية مشبعٌ بالمشاكل أيضاً. فقانون العقوبات الأردني (16/1960) يصنف العنف الجنسي (الاغتصاب والسفاح معاً) ضمن الجرائم "المخلة بالأخلاق والآداب العامة". وهذا لا يعكس طبيعة الجريمة على نحوٍ صائب.138 يجب اعتبار جميع الاعتداءات الجنسية جرائم واقعة ضد الفرد أساساً، وذلك بمعزلٍ عن كونها جرائم ضد قيمٍ أو معاييرَ بعينها.
الاغتصابلقد فشلت السلطة الفلسطينية في إيجاد البيئة القانونية التي تحمي المرأة من الاغتصاب وتشجع الضحايا على الإبلاغ عن الجرائم أو التي تردع المغتصب. وتميز قوانين الاغتصاب السارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بين ضحايا العنف الجنسي العذراوات وغير العذراوات. وهي تفرض عقوبات أشد عندما تكون الضحية عذراء. وفي هذه القوانين ثغرات تؤدي في النهاية إلى إعفاء المغتصب من العقوبة وتمتنع عن الاعتراف بالعنف الجنسي الواقع ضمن الزواج. تجرّم هذه القوانين أيضاً الإجهاض في حالات الاغتصاب أو سفاح القربى، فهي تجبر ضحايا العنف الجنسي على استمرار الحمل حتى الولادة.
ويعكس التعامل القانوني مع الاغتصاب مدى الاهتمام الاجتماعي بعذرية الأنثى. وتنص المادة 301 من قانون العقوبات الأردني (16/1960) المطبق في الضفة الغربية على زيادة عقوبة الاغتصاب "بمقدار الثلث أو النصف" إذا فقدت الضحية عذريتها نتيجةً الاغتصاب.139وباعتبار اغتصاب العذراء ظرفاً مشدداً للعقوبة، يبعث القانون برسالةٍ مفادها أن شدة عقاب المرتكب تعتمد على التاريخ الجنسي للضحية.
أما ما يثير قدراً أكبر من القلق، فهو أن القوانين النافذة في الضفة الغربية وغزة تعفي المغتصب الذي يتزوج ضحيته من الملاحقة الجزائية. وتسمح المادة 308 من قانون العقوبات الأردني للمحكمة بإغلاق القضية أو تعليق الحكم على المغتصب "إذا تم عقد زواج صحيح" بين المغتصب والضحية.140 ولا يخضع المغتصب للمحاكمة ثانيةً إلا إذا طلّق الضحية "من غير سبب" قبل انقضاء أقل من 5 سنوات.141 وتنص المادة 291 من قانون العقوبات المصري النافذ في غزة على إعفاءٍ مماثل للمغتصب الذي يوافق على الزواج من الضحية.142
وتنكر القوانين النافذة في الأراضي الفلسطينية المحتلة على ضحايا العنف الجنسي الحق في الإجهاض بشكلٍ قانوني من خلال حظر الإجهاض في جميع الأحوال تقريباً.143 وقد قاد تجريم إجهاض ضحايا العنف الجنسي دون استثناء بعض المراقبين إلى استنتاجٍ مفاده أن "النسوة يصبحن أمام خيارين أحلاهما مر: أن تجهض الجنين بوسائلها الخاصة، وهذا ما يعرض حياتها وسلامتها إلى الخطر؛ أو أن تكمل حملها وتتحمل الأعباء الاجتماعية والنفسية الناجمة عن الحمل والولادة بشكل غير شرعي".144
وثمة فارقٌ كبير بين عدد قضايا الاغتصاب التي تبلغ الشرطة الفلسطينية بها وبين عدد الأحكام الصادرة فيها. وطبقاً لمكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني، لم تدن المحاكم الفلسطينية عام 2004 إلا شخصاً واحداً بجريمة الاغتصاب في غزة، وشخصاً واحداً في الضفة الغربية.145 وفي عام 2005 لم يكن في السجون إلا 27 شخصاً يمضون أحكاماً تلقوها بسبب الاغتصاب.146 ولا تتفق هذه الأرقام مع عدد حالات الاغتصاب المبلغ عنها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فعلى سبيل المثال، سجل مكتب الإحصاء المركزي عام 2003 ما مجموعه 85 حالة اغتصاب ومحاولة اغتصاب (60 في الضفة و25 في غزة)،147 بينما تمت إدانة شخص واحد فقط بجرم الاغتصاب في ذلك العام.148
وأخيراً، فإن قوانين الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تعترف بإمكانية وقوع الاغتصاب ضمن الزواج. لكن المادة 292 من قانون العقوبات الأردني النافذ في الضفة الغربية تمنح حالات الجنس غير الرضائي ضمن الزواج استثناءً خاصاً من العقوبات الجزائية، ولا تنزل العقوبة إلا بالرجل الذي "واقع أنثى (غير زوجه) بغير رضاها".149 كما أن القوانين النافذة تجرّم الإجهاض في حالات الاغتصاب أو سفاح القربى مجبرةً ضحايا العنف الجنسي على الاحتفاظ بالجنين حتى الولادة.150
سفاح القربى"عندما يتلوث شرف الفتاة يبصق الجميع عليها". - ريم حمد (اسم مستعار)، إحدى ضحايا السفاح، نابلس، 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2005
يفرض النظام القضائي الفلسطيني قدراً مرهقاً من أعباء الإثبات والإجراءات القانونية على ضحايا السفاح، وهذا ما يغلق الباب عملياً أمام إمكانية تقديم شكوى. فبموجب قانون العقوبات الأردني النافذ في الضفة الغربية، لا يحق إلا لأفراد الأسرة الذكور رفع دعوة السفاح نيابةً عن القصّر.151 ولا يحق للأقارب من الإناث ولا لمؤسسات الخدمة الاجتماعية رفع الدعوة نيابةً عنهم. وتقول المادة 286 خاصةً: "يلاحق السفاح الموصوف في المادة السابقة بناء على شكوى قريب أو صهر أحد المجرمين حتى الدرجة الرابعة".152 ومعنى هذا هو أن الأقارب من الدرجة الأولى (الأب والجد) والثانية (الإخوة والأعمام) والثالثة (الأخوال) والرابعة (الأصهار) هم المخولون وحدهم بتقديم الشكاوى.153 ولا توجد أحكامٌ من هذا النوع في قانون العقوبات المصري النافذ في غزة. وتتحدث المحامية حليمة أبو صلب عن غرابة هذا الوضع قائلةً: "من الذي يهاجم النساء؟ إنهم الرجال. لكنهم وحدهم من يحق لهم ملاحقة الأمر قضائياً".154
ويؤكد رئيس نيابة الخليل أن قضايا السفاح نادراً ما تصل إلى النيابة. وقد قال لهيومن رايتس ووتش:
|