Human Rights Watch منظمة هيومان رايتس ووتش
   الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم PortuguesFrancaisRussianGerman
EspanolChineseEnglishOther Languages

Israel and the Occupied Palestinian Territories



Israel and the Occupied Palestinian Territories Israel and the Occupied Palestinian Territories
  

V. الهجمات الصاروخية الفلسطينية

قامت الجماعات الفلسطينية المسلحة بإطلاق قرابة 2700 صاروخ قسّام منذ سبتمبر/أيلول 2005 وحتى مايو/أيار 200772. وتصف الجماعات الفلسطينية الهجمات الصاروخية بأنها رد فعل على الإساءات التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين73. ولأن هذه الجماعات تطلق الصواريخ على المناطق المأهولة، وبما أن هذه الصواريخ تفتقر بشكل كبير إلى الدقة في التسديد على الأهداف العسكرية، فإن هذه الهجمات تشكل انتهاكاً للحظر الذي يفرضه القانون الإنساني الدولي على الهجمات التي تستهدف المدنيين أو الهجمات العشوائية. كما قامت تلك الجماعات بإطلاق الصورايخ من مواقع قريبة من المناطق المأهولة دون اتخاذ جميع الاحتياطات العملية لحماية المدنيين في مناطق سيطرتها من آثار هذه الهجمات، بما فيها عدم وضع أهداف عسكرية قرب المناطق كثيفة السكان.

السلاح المستخدم وطريقة الهجوم

تتصف الصواريخ التي تطلقها الجماعات الفلسطينية المسلحة في غزة بأنها أسلحة بسيطة نسبياً وغير موجهة، ويتم إطلاقها في معظم الأحيان من شمالي غزة. ويمتلك الصاروخ أربعة أجنحة تثبيت في إحدى نهايتيه ومحركاً في الوسط بالإضافة إلى الرأس الحربي. وجدار أسطوانة الصاروخ مصنوع من الحديد بسمك حوالي 3 مم. وتستخدم سكة ذات ساقين كمنصة إطلاق.

وتصنع الجماعات المسلحة هذه الصواريخ في غزة من مواد أولية بسيطة جداً. فالوقود عبارة عن مزيج من نترات البوتاسيوم والسكر. والرأس الحربي يتألف من قذيفة معدنية. والمواد المتفجرة هي مزيج من نترات اليوريا التي توجد في الأسمدة والـ ت.ن.ت. ويصنع الصاعق من خراطيش الأسلحة الخفيفة74. وقد أفاد الجيش الإسرائيلي بأن "أحد ورشات صنع المتفجرات في اليامون

الصواريخ الفلسطينية التي سقطت على سديروت بإسرائيل مُجمعة في كومة في موقف سيارات مركز قيادة الشرطة بتاريخ 8 يونيو/حزيران 2006. وقد أطلق الفلسطينيون حوالي 2700 من هذه الصواريخ من غزة باتجاه القرى الحدودية الإسرائيلية منذ سبتمبر/أيلول 2005. © 2006، مارك غارلاسكو/هيومن رايتس ووتش

وقد تزايدت قوة الصواريخ باستمرار وأصبحت قادرة على الوصول إلى مناطق في العمق الإسرائيلي77. وكان الموديل الأول من الصاروخ بطول قرابة 80 سم، وقطر 60 مم، ويزن 5.5 كغم. وكان يحمل نصف كيلو غراماً من الذخيرة، ومداه الأقصى 4.5 كم. وتم تطوير الجيل الثاني عام 2002 وعرف باسم القسّام 2، وهو بطول 180 سم، وقطر 150 مم، ويزن 32 كغم، منها 5-9 كغم ذخيرة، ومداه 8-9.5 كم. أما الجيل الثالث (القسّام 3) فهو بطول 200 سم، وقطر 170 مم، ويزن 90 كغم. وقد تم إنتاجه لأول مرة عام 2005 ويصل مداه الأقصى إلى 10 كم. ويحمل 20 كغم من الذخيرة78. وقال شالوم هاليفي الناطق باسم البلدية79: "منذ عام 2004 أصبحت الصورايخ قادرة على الوصول إلى أية نقطة في سديروت. ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2005 استقرت ثلاثة صواريخ على الأقل في عسقلان وهي من أكبر المدن في جنوب إسرائيل80. وهي تبعد حوالي 8 كم عن حدود غزة81.

ونادرا ما تتسبب الصواريخ في خسائر كبيرة في الممتلكات لأنها متواضعة الدقة ولا يمكن بواسطتها التسديد على أهداف محددة، كما أنها تؤدي إلى انفجار محدود مع كمية قليلة من الشظايا، لكنها قادرة على قتل البشر وإلحاق الجراح بهم. ومنذ سبتمبر/أيلول 2005 وحتى مايو/أيار 2007 أدت الصواريخ الفلسطينية إلى جرح 75 مدنياً و9 جنود82. وخلال الفترة نفسها قتلت الصواريخ 4 مدنيين إسرائيليين83.

وقد خلقت الصواريخ حالة عامة من أجواء الخوف بين الناس في المناطق التي تستطيع الوصول إليها. فمن الصعب إيجاد دفاع ناجع ضدها لأنها لا تستغرق سوى بضعة دقائق لتحميلها على سيارة وإيصالها إلى موقع الإطلاق ونصب الصاروخ على منصة متحركة وإطلاقه. وتستخدم الجماعات الفلسطينية أحياناً جهاز توقيت لإطلاق الصواريخ، مما يسمح لهم بالابتعاد عن مكان إطلاق الصاروخ لحظة إطلاقه. وقد قامت إسرائيل سديروت والمنطقة الصناعية في عسقلان بتطوير نظام إنذار مبكر يدعى الفجر الأحمر، يقوم عناصر الاستطلاع في الجيش الإسرائيلي بتشغيله عندما يشاهدون إطلاق صاروخ ما، عبر تعميم رسالة مشفرة (الفجر الأحمر) على أنظمة العناوين العامة؛ مما يعطي السكان حوالي 15 ثانية للعثور على ملجأ.

وتقوم الجماعات الفلسطينية المسلحة عادةً بإطلاق هذه الصواريخ على المدن الإسرائيلية من الحقول والمناطق المكشوفة الأخرى في شمال غزة. وفي بعض الحالات تكون مواقع الإطلاق قريبة من المناطق المأهولة. فمثلا في أحداث مجمع الندى أواخر يوليو/تموز 2006، اقترب الذين يطلقون الصواريخ من المناطق كثيفة السكان (انظر الملحق 2).

وتقع الهجمات المذكورة بشكل أسبوعي وأحياناً بصفة يومية. ووفقاً لمواقعها الإلكترونية، تطلق الجماعات المسلحة الصواريخ أحياناً على مراكز الجيش الإسرائيلي، من قبيل نقاط العبور ونقاط التفتيش في صوفا وكرم شالوم، ولكنها في معظم الحالات على ما يبدو تُطلق على المدن أو البلدات ولا سيما سديروت ولا تستهدف أي موقع عسكري84. وخلال زيارة هيومن رايتس ووتش إلى المناطق الحدودية الإسرائيلية في 8 يونيو/حزيران 2006 سقط صاروخان على سديروت وصاروخان آخران قرب موشاف نيتيف هسارة. وفي إحدى الحالات وبعد إطلاق صفارات الإنذار في موشاف نيتيف هسارة اندفع كلبان إلى داخل أحد الملاجئ؛ مما يعكس حالة التأهب لتفادي خطر سقوط الصواريخ التي اعتادها الحيوانان.

الإصابات المدنية

قامت هيومن رايتس ووتش في يونيو/حزيران ومطلع أغسطس/آب 2006 بزيارة سديروت التي قتلت فيها الصواريخ الفلسطينية 10 مدنيين إسرائيليين. وقال يوسي غوهين الناطق باسم البلدية: "كل واحد فينا يحمل ندوباً عاطفية"85. وقد سقط أحد الصواريخ أمام إحدى دور الحضانة في سديروت في 28 يونيو/حزيران 2004 فقتل آفيك أوهيون زيهافي (4 أعوام) ومردخاي يوسيفوس (49 عاما). وأدى صاروخ آخر إلى مقتل دوريت بنيسيان (عامان) ويوفال آبيفا (4 أعوام) عندما سقط أمام منزلهما في 29 سبتمبر/أيلول 2004. وأدى صاروخ أطلق في 15 يناير/كانون الثاني 2005 إلى قتل أيالا أبو قسيس (17 عاماً). وقتل صاروخ آخر في 14 يوليو/تموز 2005 دانا غالكوفيتش (22 عاماً) عندما سقط على منزل صديقتها التي كانت تزورها في موشاف نيتيف هسارة86. وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 قتل أحد الصواريخ فاطمة سلوتزكر (57 عاما) في طريق قرب منزل وزير الدفاع عمير بيرتس في سديروت87. وفي 21 نوفمبر/تشرين الثاني أصاب صاروخ ياكوفيتش (43 عاما) بجراح بالغة عندما اخترق سقف إحدى المداجن التي كان يعمل بها88 في سديروت. وقد مثلت الحالات السابقة أول الإصابات التي سببتها الصواريخ الفلسطينية منذ الانسحاب الإسرائيلي من غزة في سبتمبر/أيلول 2005. وقتلت الصواريخ اثنين من المدنيين أيضاً خلال الأسبوعين الأخيرين من مايو/أيار 2007. ففي 21 مايو/أيار قتلت شيريل فريدمان (32 عاما) داخل بلدة سديروت89. وفي 27 مايو/أيار أيضاً في سديروت سقط صاروخ قرب سيارة أوشري عوز (36 عاما) فأصيب بشظية في عنقه وتحطمت سيارته90. ومنذ سبتمبر/أيلول 2005 حتى مايو/أيار 2007 تسببت الصواريخ في جرح 75 مدنيا إسرائيليا و9 جنود.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش هجمتين صاروخيتين تسببتا بخسائر كبيرة في الممتلكات وأوشكتا أن توقعا إصابات في صفوف المدنيين. وفي 9 يونيو/حزيران 2006 غادر رفائيل كاراتاروف (17 عاماً) منزله متجهاً إلى المدرسة في سديروت قبل دقائق فقط من اختراق أحد الصواريخ لغرفة نومه في الطابق العلوي من منزل عائلته. وقد روى الحادث بعد يومين من وقوعها لـ هيومن رايتس ووتش قائلا: "لقد أربكني الحادث حقا؛ إذ كان الوقت عصيباً بالنسبة لي أثناء امتحانات القبول في الجامعة. وكنت قد عشت وقتاً طويلاً بدون أشياء تسقط من السقف. وقبل دقائق قليلة و.

وقامت هيومن رايتس ووتش أيضا بفحص موقع الهجوم الذي تم في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 على موشاف نيتيف هسارة. وقال إيشيل مارغاليت إن صفارات إنذار الفجر الأحمر دوت في الساعة 6:45 مساءً مشيرة إلى إطلاق الصواريخ. وكانت ابنتها في الطابق العلوي تعمل على الكومبيوتر في غرفة الدراسة الخاصة بالعائلة. وقال مارغاليت: "صرخت عليها لكنها لم تكن راغبة في ترك الكومبيوتر. وكان عمرها 18 عاماً كما تعرفون". وأضاف: "هبطت الدرج وكنا نركض باتجاه الغرفة الآمنة عندما سقط صاروخ القسّام على منزلنا". واخترق الصاروخ السقف وانفجر في غرفة الدراسة. وقالت مارغاليت: "صعدنا وفتحنا الباب فوجدنا أن الغرفة قد دمرت تماماً. وعندما أدركت ابنتي ما الذي كان يمكن أن يحصل لها انفجرت باكية وتطلب الأمر منها أسبوعاً كاملاً حتى تتجاوز الصدمة92". فقد دمّر الصاروخ السطح والجدران وألحق الأذى بسخان الطاقة الشمسية.

وفي حالة ثالثة تحدثت عنها الصحافة الإسرائيلية، اخترق صاروخٌ فلسطيني سقف إحدى قاعات الدرس في مدرسة ثانوية في سديروت حوالي الساعة 08:35 من صباح 21 مايو/أيار 2006. ونظرا لأن الطلاب كانوا في الكنيس المجاور يؤدون صلاة الصباح، فقد نجوا من الإصابة أو الموت في تلك الضربة. وقال المدير إيلي إدري: "كان أمرا مرعباً جداً، لكننا اعتدنا على مثل هذه الحالات الطارئة هنا في سديروت". وأضاف: "استدعينا الخدمات الاجتماعية والنفسية على الفور ووصل الآباء هلعين إلى المدرسة وكان علينا أن نهتم بهم أيضاً"93.

وذكر مسؤولون محليون أن الصواريخ عطلت الحياة اليومية في المدن والبلدات الإسرائيلية التي تعرضت لها. وأشاروا إلى أن الأطفال يخافون من اللعب خارج المنزل، وينام السكان في غرف محمية ليس لها نوافذ، فيما تراجعت قيمة الممتلكات94. وقالت إيشيل مارغاليت: "لقد غيرت صواريخ القسّام مجرى حياتنا. وها نحن الآن نعيش المزيد من القلق والتوتر"95. ووافق كوهين الناطق باسم بلدية سديروت على هذا الرأي بقوله: "لقد تركت الهجمات أثراً سلبياً على الناس؛ فهم يعيشون في قلق دائم.

وقد فشلت بعض الصواريخ الفلسطينية في اجتياز الحدود فسقطت فوق مناطق في غزة وتسببت في مقتل اثنين من السكان الفلسطينيين على الأقل وجرح 21 على الأقل. ففي حوالي الثامنة من مساء 2 أغسطس/آب 2005 كان بعض أفراد عائلة الأشقر يتناولون طعام العشاء في باحة المنزل مع بعض الزوار عندما انفجر صاروخ في وسطهم فقتل ياسر عدنان الأشقر (6 أعوام)، وتوفي والده عدنان مصطفى الأشقر (45 عاما) في اليوم التالي نتيجة الجراح التي لحقت به في الحادث. كما تعرض ابن عدنان، علاء (12 عاماً) للإصابة في بطنه وعنقه ووجهه نتيجة الشظايا. وفقد جهاد هشام عبد الرازق (5 أعوام) ابن عمهم إحدى يديه وإحدى ساقيه. كما تسبب الانفجار بعاهة دائمة لموسى مصطفى الأشقر (50 عاماً) شقيق عدنان، الذي كان يزورهم قادما من المملكة العربية السعودية97. ومن بين الجرحى المدنيين الآخرين: هدى عبد الله الأشقر (55 عاماً)، فاتن عبد الرازق (11 عاماً)، نسمة هشام عبد الرازق (8 أعوام)، بسمة هشام عبد الرازق (10 أعوام) نسرين هشام عبد الرازق (6 أعوام)98. ورغم أن حركة الجهاد الإسلامي أنكرت أية مسؤولية لها عن الحادث، فقد قال شاهد عيان لـ هيومن رايتس ووتش أن القذيفة كانت تحمل عبارة "سرايا القدس" وهو اسم الجناح العسكري للحركة99.

إيشيل مارغاليت في مدخل الغرفة الآمنة في 8 يونيو/حزيران 2006. وفي هذه الغرفة تحتمي عائلة إيشيل أثناء تعرض موشاف نيتيف هسارة للقصف بالصواريخ. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2005، انفجر صاروخ في غرفة الدراسة في المنزل بعد لحظات من مغادرة ابنته للغرفة. © 2006، مارك غارلاسكو/هيومن رايتس ووتش

وهناك حوادث أخرى تسببت فيها الصواريخ بجرح فلسطينيين. فقد أدى صاروخ أطلق إلى الشرق من بيت لاهيا إلى جرح 6 عمال بناء فلسطينيين في 21 فبراير/شباط 2007100. وتسبب صاروخ آخر في إصابة 5 فلسطينيين، بينهم 3 أطفال صغار، عندما سقط على منزل في بيت حانون في 21 ديسمبر/كانون الأول 2006101. وفي 16 سبتمبر/أيلول 2006 ضل صاروخ هدفه واستقر في أحد شوارع بيت حانون فجرح فتاتين فلسطينيتين102. وقرابة الساعة 06:30 من مساء 8 فبراير/شباط 2006 ضل صاروخ آخر طريقه وضرب منزل صابر محمد عبد الدايم في بيت لاهيا فدمر غرفة الجلوس، ولم تقع إصابات لأن الغرفة كانت خالية لحظة الحادث103.

وفي 8 يونيو/حزيران 2005 تسببت الصواريخ التي أُطلقت على مستعمرة غانيه تال في غزة بقتل عاملين فلسطينيين وثالث صيني في إحدى منشآت التعبئة والتغليف104.

وضع الأهداف العسكرية في المناطق كثيفة السكان

تقوم الجماعات الفلسطينية المسلحة بتعريض حياة الفلسطينيين المدنيين للخطر أيضاً عبر إطلاق الصواريخ من مواقع قريبة من المناطق المأهولة؛ معرضةً المدنيين لمخاطر غير مبررة. ومن واجب أطراف النزاع اتخاذ جميع الاحتياطات العملية لحماية المدنيين من آثار العمليات العسكرية بما فيها عدم وضع أهداف عسكرية في المناطق كثيفة السكان. فمثلا، تقوم الجماعات الفلسطينية المسلحة بشكل منتظم بإطلاق الصواريخ من إحدى المناطق الواسعة المكشوفة قرب مجمع الندى شمال غزة بين بيت حانون وبيت لاهيا. ويقول الجيش الإسرائيلي إن المجموعات كانت تطلق الصواريخ من المجمع ذاته أيضا، وهو ما أنكره السكان المحليون رغم أنهم لم يقولوا إنه في يوليو/تموز 2006 قامت الجماعات المسلحة بإطلاق الصواريخ من منطقة تبعد 100م فقط عن المجمع وإنهم في مناسبة أخرى واحدة على الأقل حاولوا إطلاق الصواريخ من الشارع الواقع خلف المجمع. (يناقش الملحق 2 بالتفصيل قصف الجيش الإسرائيلي المدفعي للمجمع في 24 يوليو/تموز 2006 والأيام التي أعقبتها). ففي 28 يوليو/تموز 2006، وبعد بدء القصف المدفعي الإسرائيلي، حاولت مجموعة تنتمي لإحدى الجماعات المسلحة نصب منصة صواريخ في موقف السيارات التابع للمجمع. وأخبر السكان الباقون هيومن رايتس ووتش أنهم اعترضوا على ذلك وقاموا بإبعاد المقاتلين.

وروى فلسطينيون آخرون لـ هيومن رايتس ووتش كيف كافحوا بأيديهم لإبقاء من يطلقون الصواريخ خارج مناطقهم السكنية. وقال رجل من بيت حانون إن حيّه نظم نفسه ضد أولئك الذين يحاولون إطلاق الصواريخ. "إننا نقوم بحراسة المنطقة لمنع [مطلقي] صواريخ القسّام. وأمس أطلقنا النار على أحدهم"105. وقال مزارع من بيت لاهيا المجاورة إن الناس هناك أيضاً يواجهون أولئك الذين يحاولون إطلاق الصواريخ من المنطقة. "نحن نمنع القسّاميين. ونتشاجر معهم ونضربهم بالأيدي. لقد جاؤوا مرة أو اثنتين ولكنهم لا يأتون كثيراً. وقد سمعوا ولم يعودوا"106. وعندما سألنا فلسطينيا متوسط العمر من مخيم المغازي وسط غزة إذا كانت الصواريخ تطلق من الحي الذي يسكن فيه، أجاب: "هل أنتم مجانين؟ نحن لا نسمح لهم بإطلاق الصواريخ من داخل المخيم. هم لا يفعلون ذلك ونحن لا نسمح لهم"107.

ويبدو أن المدنيين الفلسطينيين واعون جداً للمخاطر الناجمة عن إطلاق الصواريخ من داخل أحيائهم. وذكر البعض لـ هيومن رايتس ووتش أنهم لم يقوموا شخصيا بمواجهة الجماعات المسلحة التي تطلق الصواريخ ولكنهم عارضوا إطلاقها، لأنهم يعرفون أن إطلاقها من أحد المواقع القريبة من منازلهم سوف يؤدي إلى سلسلة من القذائف المدفعية الإسرائيلية. وقال المزارع حميد عادل المصري (45 عاماً): "إذا أطلقت صواريخ القسّام من هنا فلن نبقى هنا. سنغادر المنطقة"108. وذكر مواطن آخر من غزة أن عمه الذي يقع بيته قرب حدود غزة الشمالية مع إسرائيل، وجد في أرضه صواريخ معدة للإطلاق على دفعات وقام بتفكيكها109.

التبريرات الفلسطينية

يبدو أن القادة الفلسطينيين الكبار لا يفعلون شيئاً لوقف هجمات الصواريخ. والواقع أن قادة حماس يفعلون العكس غالباً ويدافعون علناً عن الهجمات على المدنيين الإسرائيليين بصفتها دفاعا مبررا عن النفس أو انتقاماً من الإساءات الإسرائيلية. وهم يؤكدون أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل هو الطريقة الوحيدة لمجابهة السياسات والعمليات الإسرائيلية ومن ضمنها القصف المدفعي. إلا أن هذه التبريرات لا تدحض عدم شرعية الهجمات بموجب القانون الإنساني الدولي. فالأعمال غير الشرعية من قبل أحد طرفي النزاع لا تضفي الشرعية على الهجمات ضد المدنيين من قبل الطرف الآخر.

وقد وصف قادة فلسطينيون من مختلف ألوان الطيف السياسي أثناء مقابلاتهم مع هيومن رايتس ووتش إطلاق الصواريخ لأنه إجراء للرد على الهجمات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. فقد قال غازي حمد الناطق باسم الحكومة التي تقودها حماس: "نحن بحاجة فعلاً لمن يمارس الضغط على إسرائيل. فهم يقتلون قادة حماس في الضفة الغربية وقادة الجهاد الإسلامي في غزة"110. وقال سامي أبو زهري الناطق باسم حركة حماس: "طالما القذائف الإسرائيلية تُطلق علينا بدون سبب، فمن الطبيعي أن علينا أن ندافع عن أنفسنا"111. وفي مقابلة صحفية قال عضو البرلمان عن حماس صلاح البردويل: "نحن نعرف أننا لا نستطيع تحقيق التوازن العسكري، ولكن من يتعرض للآلام الشديدة عليه أن يرد بطريقة ما. هذه هي الطريقة التي ندافع بها عن أنفسنا. وهذه هي الطريقة التي نقول للعالم من خلالها أننا هنا"112. وقال عبد الحكيم عواد الناطق باسم فتح، وهي الحركة التي ينتمي إليها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس: "يقولون [الإسرائيليون] إنهم يملكون الحق في تدمير المنازل في الضفة الغربية، إلا أنه لا يحق لنا أن نقوم بردة فعل في غزة. يطلبون منا ألا نقوم بردة فعل.

وتدعي الجماعات المسلحة عادة مسؤوليتها عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل وتقدم معلومات حول هذه الهجمات على مواقعها الإلكترونية. وهم يقولون عادة إن سبب الهجوم هو الرد "على جرائم الاحتلال ضد أطفالنا ونسائنا وشيوخنا"، أو على هجمات الجيش الإسرائيلي ضد أعضاء وقيادات الحركة نفسها116. فبعد أن أنهت حماس "التهدئة" التي كانت تلتزم بها من جانب واحد واستأنفت إطلاق الصواريخ في يونيو/حزيران 2006 إثر القصف المدفعي الإسرائيلي الذي قتل 7 من أعضاء عائلة غالية على شاطئ غزة (انظر الملحق 1)، وزعت كتائب القسام منشورات تقول: "سيبدأ الزلزال في المدن الصهيونية من جديد ولن يكون أمام المعتدين من خيار سوى تحضير أكفانهم أو حزم أمتعتهم"117. وفي تصريح لكتائب القسّام بتاريخ 11 يونيو/حزيران 2006، أعلنت المجموعة أن طائرة هيلوكبتر إسرائيلية أطلقت صواريخ عالية الدقة على مجموعة من المقاتلين في منطقة مكشوفة قرب مجمع الندى (انظر الملحق 2)، فقتلت شخصاً واحداً وجرحت آخرين. وذكر التصريح أن المجموعة، رداً على ذلك، نفذت هجوماً بالصواريخ ضد سديروت وأنها ستستمر في مهاجمة البلدة "حتى يهرب سكانها مذعورين.

نصب تذكاري لطفلين إثيوبيين يهوديين، دوريت بنيسيان (سنتان) ويوفال أبيفا (4 سنوات)، يقف في الشارع الذي كانا يعيشان فيه في سديروت عندما قتلهما صاروخ فلسطيني في 29 سبتمبر/أيلول 2004. © 2006، جو ستورك/هيومن رايتس ووتش

وفي بعض الأحيان تدعي الجماعات الفلسطينية المسلحة أن هجمات الصواريخ تستهدف مواقع عسكرية أو قادة عسكريين إسرائيليين. فوزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس يعيش في سديروت. ففي 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 أصابت الصواريخ التي سقطت على شارع قرب منزله أحد حراسه بجروح خطيرة. وقد أصيب الحارس الذي يبلغ من العمر (24 عاماً) وكان في نوبة حراسة وقتها بإصابات ناتجة عن شظايا تطلبت بتر كلا ساقيه. وقالت إحدى المجموعات التي ادعت مسؤولية الحادث وهي كتائب القسّام التابعة لحماس: "استهدف مجاهدونا المنطقة المحيطة بمنزل وزير الحرب الصهيوني [بيرتس] في سديروت مستخدمين أحدث تكنولوجيات الاستهداف"119. ونظرا لعدم دقة الصواريخ فإن هذا التصريح قد يكون بمثابة تبرير ارتجاعي. والحقيقة أن تبعثر أماكن سقوط الصواريخ في سديروت والتصريحات المتكررة للجماعات المسلحة بأنها تطلق الصواريخ لتزرع الخوف بين الجمهور الإسرائيلي تشير إلى أن هذه الجماعات تستهدف سكان البلدة عموماً. وحتى لو كانوا يستهدفون بيت بيرتس فإن عدم دق الصواريخ تعني أن ثمة احتمال كبير بإصابة المدنيين أو البنى المدنية في أماكن أخرى من سديروت بدلاً من المنزل المستهدف. ثم أن الصواريخ تطلق على سديروت منذ عام 2002، بينما لم يصبح بيرتس وزيرا للدفاع إلا في مارس/آذار 2006.

وعبّر رباح مهنّا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي حركة يسارية علمانية ينفذ أيضا عمليات عسكرية ضد إسرائيل، عن موقف أقل دعماً لإطلاق الصواريخ ولكنه قال بأنه يتفهم دوافعهم120. حيث قال: "هذه الصواريخ العاجزة الحمقاء تريد إيصال رسالة بأنه ليس هناك طريقة يستطيعون [الإسرائيليون] بها انتزاع الإيديولوجيا من رأس أهل غزة، ولا سيما إذا استمروا في إهدار حقوقنا"121.

وقد عبر بعض القادة الفلسطينيين عن معارضتهم العلنية لإطلاق الصواريخ. فقد صرح محمود عباس أثناء حملته الرئاسية في غزة قائلاً: "سألني أحدهم اليوم عن رأيي في الهجمات الصاروخية. وأجبته بأنني أدينها بغض النظر عمن هو المسؤول عن إطلاقها"122. وخلال مؤتمر صحفي في مدينة غزة بتاريخ 8 يوليو/تموز 2005 قال الرئيس عباس: "يجب وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة"123.

ومن جهته، انتقد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وهو أهم منظمة حقوق إنسان فلسطينية في غزة، عملية إطلاق الصواريخ، حيث قال حمدي شقورة أحد قادة المنظمة: "هذا غير شرعي، وقد طالبناهم بالتوقف124".

دور القوى الأمنية الفلسطينية

لم تجد هيومن رايتس ووتش دليلاً يذكر على أن القوى الأمنية الفلسطينية تبذل أي جهد لمنع إطلاق الصواريخ أو محاسبة المقاتلين الذين يطلقونها. والحقيقة أن بعض قيادات هذه القوى اعترفوا شخصيا في بعض الحالات أنهم لا يحركون ساكنا لوقف الهجمات. وذكر لنا مسؤول غربي يتولى شؤون الأمن في إحدى المنظمات الإنسانية الدولية في غزة بأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لم تبذل جهوداً جدية خلال القتال عام 2006 لمنع تعطيل نشاط إطلاق الصواريخ من قبل الجماعات الفلسطينية المسلحة.

وذكر مسؤولون أمنيون فلسطينيون لـ هيومن رايتس ووتش أن جهاز الأمن الوطني، وهي المؤسسة الأمنية التي تنفذ السياسات الفلسطينية العامة تجاه مسألة الحدود، هي المسؤولة أساسا عن التعامل مع هجمات المجموعات المسلحة ضد إسرائيل. وأقر معظمهم أن جهاز الأمن الوطني لا يقوم بجهد يذكر لإيقاف الصواريخ. ووجه بعضهم اللوم إلى الجيش الإسرائيلي لأنه منعهم من اتخاذ إجراءات ضد الجماعات المسلحة قائلين بأنه أرغم جهاز الأمن الوطني على إخلاء المناطق القريبة من الحدود125.

وعندما تحدثت هيومن رايتس ووتش مع العميد توفيق أبو خوصة الناطق باسم جهاز الأمن الوطني أعطى رأيا ملتبسا حول دور منظمته ومسؤولياتها ولكنه اعترف بأنه لا الأمن الوطني ولا القوات الأمنية الفلسطينية الأخرى كانت تعالج المشكلة. وقال بأن الأمن الوطني ليس لديه "أي دور في المناطق السكنية". فمسؤولية تطبيق القوانين هناك كما يقول، تقع على عاتق "مؤسسات الأمن الداخلي" ولكن "نظرا للوضع القائم" فإن قوات الأمن الوطني مع ذلك تمارس دورا معينا. حيث يقول أبو خوصة: "أحيانا يكون ذلك مثمرا ولكننا أحيانا نفشل".

ويقول اللواء أبو خوصة أيضا بأن "لا سبيل لوقف" إطلاق الصواريخ الفلسطينية بالقوة وأن منع تلك الهجمات "كان يجب أن يأتي كنتيجة من نتائج الحل السياسي". وحول سبب عدم محاولة القوى الأمنية الفلسطينية منع الجماعات المسلحة من إطلاق الصواريخ من جوار المناطق كثيفة السكان مثل مجمع الندى، أكد اللواء أبو خوصة أن "كل غزة كثيفة السكان.

ويعتبر جهاز الأمن الوقائي القوة الأمنية الداخلية الفلسطينية الرئيسية. وقال أحد قادتها الكبار في غزة أن منع إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل كان "مسؤولية مشتركة" لمختلف الأجهزة الأمنية الفلسطينية ولكنه لم يكن أولوية بالنسبة له لأن المقاتلين "يطلقون الصواريخ ردا على القصف المدفعي الإسرائيلي. ولهذا، لا معنى لأن نخرج ونمنعهم من الدفاع عن أنفسهم". وأضاف: "إذا أوقف الجيش الإسرائيلي قصفه عندها ستتوقف الصواريخ"127.

خلاصة قانونية

تنتهك الجماعات الفلسطينية المسلحة القانون الدولي باستمرار عند استخدامها صواريخ القسّام في مهاجمة إسرائيل. فهي هجمات غير قانونية سواء بسبب توجيهها نحو المدنيين128 أو بسبب عشوائيتها كونها لا توجه إلى هدف عسكري محدد129. بالإضافة لما سبق، تشير بعض تصريحات الجماعات المسؤولة عن تنفيذ هجمات الصواريخ إلى نية في استخدام الأسلحة بهدف أساسي هو نشر الرعب بين المدنيين الإسرائيليين وهو ما يحظره القانون الإنساني الدولي130.

وتأكيد الجماعات الفلسطينية بأن إطلاق الصواريخ قانوني، لأنه يأتي ردعاً للهجمات الإسرائيلية التي تقتل وتجرح المدنيين، هو استناد غير دقيق على القانون الإنساني الدولي. فقد تم تعريف الردع على أنه عمل غير قانوني "يمكن في حالات استثنائية اعتباره قانونياً بموجب القانون الدولي عندما يستخدم كإجراء لفرض القانون رداً على أعمال غير قانونية للعدو"131. لكن تحظر هجمات الردع ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين محظورة132. فقد جرم القانون الدولي أي هجوم مباشر على المدنيين سواء كان بدافع الانتقام أم لا. وذلك يعود جزئياً إلى أن تبادل إطلاق الصواريخ والقذائف المدفعية يشير إلى أنه حتى الهجمات التي تأتي بشكل واضح بدافع الانتقام غالباً ما تحرض على هجمات مضادة من قبل الطرف الآخر، الأمر الذي يقود إلى دائرة مغلقة من الخسائر بين المدنيين. وكما تنص المعاهدة الأولى في هذا المضمار، فإن استهداف طرف ما للمدنيين أو الأهداف المدنية لا يمكن إطلاقاً أن يبرر استهداف الطرف الآخر لهم.

ويثير إطلاق الصواريخ من محيط الشقق المسكونة أو الأبنية السكنية الأخرى أيضا مخاوف جدية بموجب القانون الإنساني الدولي. ورغم أن القانون المذكور لا يحظر القتال في المدن فإنه يشترط على الأطراف المشاركة في نزاع مسلح اتخاذ جميع الاحتياطات العملية لحماية المدنيين من أخطار العمليات العسكرية133. وبشكل أكثر تحديداً، يطلب القانون من أطراف النزاع المسلح أن "يتجنبوا إلى أقصى درج