![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Israel and the Occupied Palestinian Territories Israel and the Occupied Palestinian Territories ![]() |
VI. القصف المدفعي الإسرائيلي منذ انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي
في الفترة الممتدة بين انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة في سبتمبر/أيلول 2005 وحتى نهاية مايو/أيار 2007، أطلقت إسرائيل على قطاع غزة زهاء 14600 قذيفة مدفعية، سقط معظمها في القسم الشمالي من القطاع، فقتلت 59 فلسطينياً وجرحت 270 آخرين.135 وتبيّن تحقيقات هيومن رايتس ووتش، وكذلك تحليل تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي تراقب الاشتباكات، تشير إلى وقوع معظم الإصابات في صفوف المدنيين، إن لم تقتصر عليهم وحدهم: فمن أصل 38 فلسطينياً قتلوا خلال سبتمبر/أيلول 2006، ثمة 17 طفلاً دون 16 عاماً، و12 امرأة، وكهلٌ واحد في الستين. كما تثبتت هيومن رايتس ووتش عبر تحقيقاتها الميدانية من أن خمسةً من الثمانية الباقين مدنيون.136 وفي 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2006، سقط في القصف الإسرائيلي على بيت حانون 23 فلسطينياً بين قتيل ومصاب بجروح قاتلة، فضلاً عن سقوط 40 جريحاً غيرهم على الأقل؛ وكلهم مدنيون.137 وأدى هذا الحادث إلى تعليق القصف المدفعي.
وقد قال مسؤولون في الجيش الإسرائيلي لـ هيومن رايتس ووتش أثناء اجتماعات معهم في يونيو/حزيران 2006 إن الجيش يقوم بالقصف المدفعي رداً على مهاجمة سديروت وغيرها من التجمعات الإسرائيلية بالصواريخ.138 وفي حوادث كثيرة حققت فيها هيومن رايتس ووتش، يشكل استخدام إسرائيل المدفعية من عيار 155 ملم رداً على الهجمات الصاروخية انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي، إما لأنه لم يفرق بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية، أو لأنه كان من الممكن توقع أن القصف سيوقع بالمدنيين أضراراً جسيمة مقارنة بالمكاسب العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة. وأما عدم استعداد إسرائيل لتأكيد أن تلك الأهداف كانت أهدافاً عسكريةً مشروعة، وعدم استعدادها للتحقيق في الخسائر الواقعة في أرواح المدنيين جراء هذا القصف، فهو مؤشرٌ يؤكد امتناعها عن اتخاذ جميع الاحتياطات المعقولة لتقليل الأذى في صفوف المدنيين.
شهدي محمد أبو عودة يقف أمام السقف المنهار لمنزله في بيت حانون بتاريخ 12 يونيو/حزيران 2006. فقد ضربت قذيفة مدفعية إسرائيلية المنزل بشكلٍ مباشر بتاريخ 29 أبريل/نيسان 2006 وأدت إلى إصابة طفلين على الأقل بجروح. © 2006، بوني دوكرتي/هيومن رايتس ووتش
الأسلحة المستخدمة وأساليب الهجوماستخدم الجيش الإسرائيلي في قصف غزة بين سبتمبر/أيلول 2005 ونوفمبر/تشرين الثاني 2006 نسخةً عدلتها إسرائيل عن مدفع الهاوتزر الأمريكي (M109A3) وأطلقت عليها اسم دوهير. وقد صُنِعت النسخة الأمريكية الأصلية من مدفع (M109) عام 1963؛ في حين أنتجت إسرائيل نسختها منه عام 1993. ويتكون طاقم هذا المدفع ذاتي الحركة الذي يبلغ وزنه 28 طناً من سبعة أشخاص، وتصل سرعة حركته إلى خمسين كيلومتراً في الساعة. وعادةً ما يستخدم في القصف غير المباشر (خارج مجال الرؤية). وفي معظم الحالات، يطلق الطاقم في البداية قذيفة تجربة ثم يعكف على تصحيح الرمايات إلى أن يبلغ الهدف المنشود إصابته. ويطلق المدفع المذكور في المتوسط قذيفة واحدة في الدقيقة، لكنه يستطيع إطلاق حتى أربع قذائف في الدقيقة لمدة ثلاث دقائق.139
والقذائف الأكثر شيوعاً في استخدام الجيش الإسرائيلي لمدافع الهاوتزر هذه هي القذائف شديدة الانفجار من عيار 155 ملم، وعادةً ما تكون من نوع M107. وتنتج شركة "الصناعات الحربية" الإسرائيلية، وهي شركة إنتاج وتصدير للأسلحة تملكها الدولة، قذائف M107 رغم أن إسرائيل تستورد أيضاً قذائف 155 ملم من الولايات المتحدة. وتزن قذيفة M107 حوالي 44 كغم ويبلغ طولها 60.5 سم وقطرها الأقصى 155 ملم. ويصل مداها حتى 18 كم. وإذا كانت محشوةً بمادة تي إن تي، فإنها تنشر زهاء 2000 شظية في جميع الاتجاهات. وبعض القذائف لا تنفجر عند الاصطدام فتصبح قذائف عاطلة يحتمل انفجارها.140
وتعتبر قذائف M107 سلاحاً شديد الفتك. ويقال إن نصف القطر القاتل المتوقع لقذيفة 155 ملم شديدة الانفجار يتراوح من 50 إلى 150 متراً، ونصف القطر المتوقع للإصابات يتراوح من 100 إلى 130 متراً.141 ويقول مسؤولو الجيش الإسرائيلي إن نصف قطر الخطأ في قذائف 155 ملم هو 25 متراً عادةً.142 ومن هنا فإن القذائف التي تُوجه إلى نقطةٍ تبعد 100 متر عن المناطق المأهولة (كما هو مسموحٌ بموجب سياسة الجيش الإسرائيلي التي تتم مناقشتها أدناه)، أو أقل من تلك المسافة كما يحدث أحياناً، تزيد كثيراً من احتمال وقوع إصابات في صفوف المدنيين. وغالباً ما يكون "المكسب العسكري المحدد" الذي تتيحه قذائف المدفعية من عيار 155 ملم المستخدمة ضد الصواريخ أمراً مشكوكاً فيه.143 كما أن ضرب من يطلقون الصواريخ أمرٌ صعب لأن نصب منصة الإطلاق وإعدادها وإطلاق الصاروخ ثم تفكيك المنصة لا يستغرق إلا دقائق معدودة. وفي بعض الأحيان تتباطأ الجماعات المسلحة قبل تفكيك منصة الإطلاق وإزالتها، كما تستخدم أجهزة التوقيت في أحيان أخرى لإطلاق الصواريخ بعد مغادرة موقع الإطلاق.144 ويقول الجيش الإسرائيلي: "غالباً ما نعرف موقع إطلاق الصواريخ بعد سقوطها على أهدافها وبعد أن يكون الأشخاص [المسؤولون عنها] قد ذهبوا بوقتٍ طويل".145
وكانت المزايا العسكرية التي يحققها قصف مواقع منصات إطلاق الصواريخ موضع جدلٍ داخل الجيش الإسرائيلي نفسه. فكما هو موضح أدناه، يقول بعض ضباط الجيش إن القصف المدفعي نجح في وضع حدٍّ لمن يطلقون الصواريخ أو في جعل الهجمات أقل دقةً. وفي اليوم الذي سبق قصف شاطئ غزة الذي تجري مناقشته في الملحق 1، أقر العميد آفيف أوشافي الذي كان قائداً للجبهة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي بأن المدفعية "ليست الحل الأفضل"، لكنه قال إن لها ثلاثة استعمالات: أولاً، يمكنها "إيقاف طواقم الإطلاق أو تشويشها"؛ ثانياً، يمكنها أن تدفع بالطواقم التي تحاول إطلاق الصواريخ بعيداً عن البلدات الإسرائيلية الحدودية إلى داخل التجمعات الفلسطينية مما يجعل إطلاق الصواريخ أكثر صعوبةً؛ ثالثاً، "الرسالة التي نريد نقلها، ويمكنكم إطلاق اسم الردع عليها، هي: سيداتي سادتي، ثمة معادلةٌ هنا: طالما تطلقون صواريخ القسام علينا، فإننا سنطلق المدفعية عليكم".146 لكن ضباطاً آخرين في الجيش الإسرائيلي، ومنهم قائد الفرقة المسؤولة عن جبهة غزة اللواء موشي تامير، يقولون إن المدفعية لم تساعد على تقليل الهجمات الصاروخية.147
ومدى الإطلاق هو العنصر الجوهري هنا: فكلما تمكنت صواريخ القسام من الاقتراب من هدفها عامةً، كأن يكون بلدةً مثلاً، كانت أكثر قدرةً على إصابته. وهكذا فإن إجبار مطلقي الصواريخ على الابتعاد عن الحدود، وخاصةً عن المناطق الحدودية كثيفة السكان داخل إسرائيل مثل سديروت، هو الوسيلة الحقيقة الوحيدة لتقليل قدرتهم على إصابة أهدافهم العامة. ويقول الجيش الإسرائيلي إنه، عند استخدامه المدفعية في غزة، غالباً ما يقوم بالقصف عقب إطلاق الصاروخ فوراً في محاولةٍ لضرب موقع الإطلاق وإصابة المقاتلين الموجودين فيه.148 وفي حالاتٍ أخرى كما يقول اللواء مائير كاليفي، يقوم الجيش بقصف مواقع إطلاق سابقة تشير "معلومات استخباراتية مؤكدة" إلى أن مطلقي الصواريخ يستخدمونها من وقتٍ لآخر.149 والهدف من ذلك في التعبير العسكري هو "إغلاق المنطقة"، ويعني في هذه الحالة منع الجماعات المسلحة من إطلاق الصواريخ على نحوٍ فعال، أو ثنيها عن ذلك، من خلال مواجهتها بخطر الوقوع تحت القصف. ويميز محامو الجيش الإسرائيلي بين "إغلاق المنطقة" وبين "الردع". ويقول المحامي العام في الجيش الإسرائيلي اللواء آفيهاي ماندلبليت: "ليس الردع سياسةً نعتمدها"؛ ويضيف: "يمكن أن يحدث القصف لأسبابٍ وقائية؛ أي حين تكون الصواريخ على وشك الانطلاق من المنطقة. لكننا لا نقصف لمجرد جعلهم يعرفون أننا هنا لكن، يقال إن سياسة "إغلاق المنطقة" خضعت لتعديلٍ بعد القصف الصاروخي في 26 ديسمبر/كانون الأول الذي جرح اثنين من الفتيان الإسرائيليين، إذ قيل عندها إن الجيش الإسرائيلي أصدر توجيهاً يدعو إلى "دقة الرمي" ضد مطلقي الصواريخ. وطبقاً لما قالته نيويورك تايمز، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الجيش "بالضرب قبل إطلاق الصواريخ وأثناء إطلاقها وبعده"، وليس "بإطلاق القذائف على مناطق مفتوحة قرب الحدود لردع طواقم إطلاق الصواريخ عن دخولها".
ويعتبر "إغلاق المنطقة" (وهو استهداف منطقة من الأرض بالقصف لمنع العدو من دخولها) أسلوباً يسمح به القانون الإنساني الدولي، لكنه يظل خاضعاً للحظر المفروض على الهجمات العشوائية وغير المتناسبة. وعادةً ما يتم استخدامه من أجل إغلاق منطقةٍ من الأرض في وجه العدو لمنع الحركة والتواصل فيها (كنقل الذخائر)، أو من أجل تحقيق مزية تكتيكية (التمهيد للهجوم أو تغطية الانسحاب).151 لكن، وكما يشير أحد كبار المختصين بالقانون الإنساني الدولي، ومع جواز اعتبار منطقة محددة من الأرض هدفاً عسكرياً، "ثمة توافقٌ على أن تحديد مناطق من هذا النوع لا يمكن أن يكون أمراً فضفاضاً جداً، إذ لابد من وجود سمة مميزة تجعل من رقعةٍ من الأرض هدفاً عسكرياً (كأن تكون ممراً جبلياً مهماً، أو درباً عبر غابةٍ أو عبر منطقة مستنقعات، أو رأس جسر، أو رقعة من الأرض تسيطر على مدخل أحد الموانئ)".152 ويتفق هذا الرأي مع الملاحظات المرجعية للجنة الدولية للصليب الأحمر على البروتوكولين الإضافيين الملحقين باتفاقيات جنيف، والتي تؤكد على أن "إغلاق المنطقة" يمكن أن يكون هدفاً عسكرياً مشروعاً، لكنها تحذر قائلةً: "بطبيعة الحال، لا يمكن لهذا الوضع أن يتعلق إلا بمناطق محدودة، لا بمنطقة شديدة الاتساع. وهو ينطبق أساساً على الممرات الضيقة أو رؤوس الجسور أو النقاط الاستراتيجية مثل التلال أو الممرات الجبلية".153
ولا يفي القصف من أجل "إغلاق المنطقة" الذي يستهدف أقساماً كبيرة من شمال قطاع غزة بهذه المعايير. وتشير تصريحات الجيش الإسرائيلي الواردة أعلاه إلى أن الغاية الكامنة وراء كثيرٍ من حوادث القصف كانت "الإغلاق"، وذلك حتى ديسمبر/كانون الأول 2006 على الأقل، وكانت هي الغاية من القصف المدفعي لمنطقة تمتد من ساحل شمال غزة حتى شرق بيت حانون والذي وثقته هيومن رايتس ووتش. لكننا لم نتمكن من التثبت مما إذا كانت حالات القصف المحددة هذه نوعاً من "إغلاق المنطقة" الواسع بما يجعلها انتهاكاً للقانون الدولي. وتدعو هيومن رايتس ووتش إلى مزيدٍ من التدقيق في هذا الأمر.
وبصرف النظر عن مشروعية الهدف من الناحية النظرية، فإن محدودية دقة مدافع الهاوتزر من عيار 155 ملم، والتي اعترف بها محامو الجيش الإسرائيلي في مقابلاتهم مع هيومن رايتس ووتش، تمثل خطراً على المدنيين. وقد قال الجنرال ماندلبليت: "بسبب قلة دقة المدفعية، فإن لدينا قواعد اشتباك خاصة بها تختلف عن قواعد الاشتباك الخاصة بغيرها من الأسلحة. ونحن نعمل مع خبراء المدفعية على هذا الأمر. فقدرات المدفعية مخيفةٌ كما تعرف".154 وأضاف العقيد نيومان إن المدفعية "ليست على قدرٍ من الدقة يكفي لاستهداف أهدافٍ بعينها".155
ومع أن القانون الإنساني الدولي لا يشترط استخدام أسلحةٍ بعينها في الهجوم، فإن على جميع أطراف أي نزاع اتخاذ جميع الخطوات المعقولة عند اختيارها أسلحة الحرب وأساليبها من أجل تجنب الخسائر المدنية.156 ويقول أحد الدارسين:
"إذا جرى التخطيط لمهاجمة هدف عسكري صغير محاط بمناطق مدنية كثيفة السكان، فقد تكون الطريقة المشروعة الوحيدة هي اللجوء إلى غارة جراحية باستخدام أسلحة موجهة عالية الدقة. ولا يقصد بهذا القول المصادقة على زعم بعض المعلقين بأن: 1) ثمة واجباً يتمثل في استخدام الأسلحة الموجهة عالية الدقة في المناطق المدنية؛ أو 2) إن البلدان التي تملك ترسانات من القنابل الذكية ملزمةٌ باستخدامها أينما كان
وما تحدثت عنه الأنباء من تغيير في سياسة الجيش الإسرائيلي في أبريل/نيسان 2006، سمح بأن يستهدف القصف مواقع أكثر قرباً من المناطق السكنية، وهو أمرٌ يعرض المدنيين إلى مزيد من الخطر. وقد ذكرت صحيفة هاآرتس أن الجيش الإسرائيلي خفض "مسافة الأمان" (المسافة بين النقطة المراد قصفها بالمدفعية وبين المناطق المأهولة) من 300 إلى 100 متر.158 وفي مقابلةٍ مع هيومن رايتس ووتش، لم يشأ اللواء ماندلبليت تأكيد السياسة المتعلقة بمسافة الأمان هذه: "الصحافة هي من تحدث عن هذه الأمتار المائة، وليس نحن. ولا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك. فإذا عرفوا [الجماعات المسلحة] حدودنا، فقد يقتربون أكثر من البيوت".159 وكما ذكرنا أعلاه، فإن قطر دائرة الإصابة بالنسبة للمدفعية هو من 100 إلى 300 متر. وبالتالي فإن قصف مكان يبعد 100 مترً فقط عن المناطق السكنية يزيد من الإصابات المتوقعة في صفوف المدنيين. وكما سبقت الإشارة، تسقط القذائف الإسرائيلية أحياناً ضمن ذلك الهامش، بل تسقط مباشرةً على المنشآت المدنية أيضاً.
ويقول مايكل سفارد، وهو محامٍ يمثل ست منظمات حقوق إنسان في القضية المرفوعة أمام المحكمة العليا من أجل التراجع عن السياسة المذكورة، إن الجيش لم ينكر في أي وقت قيامه بتغيير سياسته الخاصة بمسافة الأمان، لا في الصحف ولا في الأوراق التي قدمها إلى المحكمة.160 وقد جاء في رد الجيش الإسرائيلي على هيومن رايتس ووتش: "لا نستطيع تقديم مزيد من التفاصيل لأن هذه مسألةٌ عملياتية. على أننا نقول إن وسائل الوقاية التي يستخدمها الجيش كافية، وإنها تلتزم المعايير التي يفرضها القانون الدولي".161 (ترد جميع الردود الخطية التي وردتنا من الجيش الإسرائيلي في ملاحق هذا التقرير). إن مقارنةً بسيطة بين عدم الدقة النسبية للقصف المدفعي الإسرائيلي وبين تقليص مسافة الأمان الذي اعتمد في أبريل/نيسان 2006 تشير إلى أن هذا التقييم الذاتي من قبل الجيش الإسرائيلي تقييم خاطئ.
وقد وقعت جميع حالات الوفاة، وكذلك الغالبية العظمى من الإصابات الناجمة عن القصف الإسرائيلي بين ديسمبر/كانون الأول 2005 ومايو/أيار 2007، بعد بداية أبريل/نيسان 2006، وهو الموعد الذي قيل إن الجيش الإسرائيلي خفض فيه مسافة الأمان.162 وتشير هذه الأرقام، وكذلك أبحاث هيومن رايتس ووتش التي ترد تفاصيلها أدناه، إلى أن زيادة عدد الإصابات المدنية في هذه الفترة نجم عن عاملين مترابطين: قرار الجيش الإسرائيلي بإطلاق مدفعيته على مناطق أكثر قرباً من المناطق المأهولة، وزيادةٍ عدد رشقات المدفعية في الشهر الواحد بمقدار عشرة أضعاف مقارنة مع الفترة السابقة. وفي بعض الحوادث التي حققنا فيها، أصابت القذائف الإسرائيلية بيوت المدنيين إصاباتٍ مباشرة. ويلقي الجيش الإسرائيلي باللائمة في بعض هذه الإصابات على الأقل، على الجماعات الفلسطينية المسلحة التي "تقترب من البيوت على نحوٍ متزايد" من أجل إطلاق الصواريخ.163
ومنذ صدور الأمر الذي وجهه رئيس الوزراء أولمرت في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2006، لم يعاود الجيش الإسرائيلي استخدام المدفعية لمواجهة إطلاق الصواريخ في المناطق الحدودية. وأثناء اشتداد القتال في مايو/أيار 2006، اعتمد الجيش على صواريخ الطائرات التي تتميز بدقةٍ أكبر لإحباط محاولات إطلاق الصواريخ.164 أما إذا عاد الجيش إلى استخدام القصف المدفعي، فعليه الاستفادة من دروس الحوادث المعروضة أدناه وتجنب إطلاق قذائفه قرب المناطق المأهولة حيث يمكن أن يكون القصف عشوائياً أو غير متناسب.
الأذى الواقع على المدنيينكما يتضح من كثرة الإصابات، سبب القصف المدفعي الإسرائيلي أذى كبيراً للمدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وخاصةً في بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون الشماليتين. وسبب القصف قتل وجرح أشخاصٍ مدنيين، ودمّر ممتلكاتٍ سكنية وتجارية، وأضر بالحياة اليومية للمدنيين وبموارد رزقهم.
كما ساهم القصف الإسرائيلي على شمال غزة في زيادة حالة الصدمة والخوف الشديد الذي يعيشه كثيرٌ من السكان، وخاصةً الأطفال منهم. ويقول إياد السراج، مدير مشروع الصحة العقلية في غزة: "إن الأثر الواقع على الصحة العقلية أكبر ما يكون في شمال غزة بسبب القصف الإسرائيلي المستمر". ويضيف: "إنه قصفٌ متواصل، وهو يؤثر على حالتك العقلية. وأنا أستطيع سماع [القصف] من مدينة غزة. والأطفال يتناولون حبوباً منومة".165
ولد من عائلة غبن يجلس على أنقاض منزله المدمر جزئياً في بيت لاهيا بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2006. فقد ضربت قذيفة مدفعية إسرائيلية منزله بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2006، وقتلت أخته هديل (8 أعوام) وجرحته مع ثمانية أفراد من عائلته. © 2006، مارك غارلاسكو/هيومن رايتس ووتش
وتستند الدراسات التالية لبعض دراسات الحالة إلى الأبحاث الميدانية التي أجرتها هيومن رايتس ووتش في شمال قطاع غزة. وفي معظم هذه الحالات، زعم الجيش الإسرائيلي عدم معرفته بوقوع إصاباتٍ مدنية، أو زعم وقوع أخطاء، أو قال إن تلك الإصابات نتيجة جانبية مؤسفة تبررها الظروف المعنية. لكن تحقيقات هيومن رايتس ووتش في الهجمات المذكورة خلصت إلى أنها عشوائيةً أو غير متناسبةٍ على نحوٍ ينتهك القانون الإنساني الدولي. وكان حرياً بنوع الإصابات أن ينبه الجيش الإسرائيلي إلى وجود مشكلة في القرارات الخاصة باختيار أهدافه، أو إلى وقوع أخطاء في سياق تخفيف الجيش القيود المفروضة على استخدام المدفعية من عيار 155 ملم، ما يجعل الإصابات نتيجةً يمكن توقعها لاستخدام أسلحةٍ قليلة الدقة على مقربةٍ شديدة من المناطق السكنية. ولعله كان حرياً به أيضاً أن ينبه الجيش إلى وجوب زيادة الاهتمام بتقليل الخطر المحدق بأرواح المدنيين وممتلكاتهم. وكان من المهم خاصةً إجراء التحقيقات الملائمة للكشف عن هذا النمط من الإصابات؛ وهذا ما يجعل امتناع الجيش الإسرائيلي عن إجراء تلك التحقيقات أكثر إثارةً للمخاوف. وقد أدى القصف الذي أوقع 23 قتيلاً مدنياً في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 بالجيش الإسرائيلي إلى اتخاذ قرار بتعليق القصف المدفعي. وأدى برئيس الوزراء أولمرت إلى الإعلان في شهر ديسمبر/كانون الأول 2006 عن أن المدفعية لن تُستخدم قرب المناطق المأهولة. ولعله كان يمكن تفادي هذه الكارثة لو أجريت في الوقت المناسب تحقيقاتٌ في حوادث قصف مدفعي سبقتها وأدت إلى إصابة مدنيين. القصف الذي يصيب المناطق السكنيةفي الحوادث الخمسة التالية، وثقت هيومن رايتس ووتش القصف الإسرائيلي الذي أصاب المنازل مؤدياً إلى مقتل وجرح مدنيين. وفي الحالات الثلاث الأولى، رد الجيش الإسرائيلي على تساؤلات هيومن رايتس ووتش بالقول بأنه لم يطلق النار باتجاه المناطق المأهولة وإنه ليس على علمٍ بوقوع أية إصاباتٍ مدنية. وقال أحد المحامين العسكريين لـ هيومن رايتس ووتش: "ليست سياستنا هي إجراء التحقيق كلما أصيب أحد عابري السبيل. كما أن قسم التحقيق الجنائي لا يفتح تحقيقاً في حوادث إطلاق النار إلا حيث يوجد إهمالٌ جسيم".166 أما في الحالة الرابعة، فقد اعترف المسؤولون الإسرائيليون علناً بوقوع الإصابات، إلا أنهم قدموا تفسيراتٍ مختلفة لوقوعها. وفي الحالة الخامسة، اعترف رئيس الوزراء إيهود أولمرت علناً بوقوع الإصابات وعبر عن أسفه قائلاً إن القصف المدفعي أخطأ الهدف المقصود بسبب خللٍ فني، لكنه لم يتناول ما قيل عن امتناع الجيش الإسرائيلي عن اعتماد تدابير حيطة قياسية كان من الممكن أن تمنع ذلك الخطأ الفني.
عائلة أبو شماسأدت سلسلةٌ من جولات القصف المدفعي الإسرائيلي يوم 4 أبريل/نيسان 2006 إلى تدمير عدد من المنازل المملوكة لعائلة أبو شماس على أطراف بيت لاهيا. وخلال 30 دقيقة سقط أكثر من 50 قذيفة في أحد الحقول المجاورة، وذلك اعتباراً من الساعة 3:20 بعد الظهر تقريباً. وقد فرّ محمود أبو شماس أول الأمر، لكنه عاد راكضاً للبحث عن أفراد أسرته بعد أن علم بإصابة منزله وتدميره. ودخل محمود وشقيقه منزل والدهما الملاصق لمنزل محمود فوجدا زوجة شقيقه سماح أحمد أبو شماس (19 عاماً) ورضيعها (6 أشهر) سليمين من الأذى. ثم انفجرت قذيفةٌ ثانية في المنزل، فأصيب أحمد أبو شماس (22 عاماً) بجراحٍ في رأسه بفعل موجة الصدمة الناجمة عن الانفجار وأمضى 10 أيام تحت العناية المشددة في المستشفى. وفقد مصطفى أحمد أبو شماس (30 عاماً) ثلاثةً من أصابع يده إضافةً إلى إبهام قدمه اليمنى؛ كما وضع الأطباء صفيحةً في ساقه. وتوفي عبد الله الدعالسة إثر إصابته بشظيةٍ عندما كان يسير في الشارع في طريقه لزيارة الأسرة.167
وقال محمود أبو شماس لـ هيومن رايتس ووتش إنه لم يشاهد أية صواريخ فلسطينية في المنطقة ساعة الهجوم، لكن هيومن رايتس ووتش لم تتمكن من الحصول على ما يؤيد قوله. "لو رأينا صواريخ القسام، لأخلينا البيوت قبل القصف لأننا نعرف [أن الإسرائيليين] سيقصفوننا".168 وفي اليوم التالي، أطلق الجيش الإسرائيلي مزيداً من القذائف فدمر ثلاثة منازل مجاورة تدميراً جزئياً.169 ولم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد إذا ما كانت الصواريخ قد أطلقت من تلك المنطقة في التوقيت المذكور.
وعند سؤال الجيش الإسرائيلي عن هذه الحادثة جاء رده كالتالي: "وفي 4 أبريل/نيسان 2006، تم إطلاق ستة صواريخ قسام من منطقة بيت لاهيا. ورد جيش الدفاع بنيران المدفعية بغية إرباك وتشتيت وحدات إطلاق الصواريخ ومنعها من دخول منطقة الإطلاق. ولم يوجه جيش الدفاع قذائفه إلى المناطق المأهولة، وهو ليس على علمٍ بوقوع إصابات في صفوف المدنيين الفلسطينيين، أو بأية ادعاءاتٍ بوقوع هذه الإصابات".170 إلا أن الجيش لم يقل شيئاً عن المسافة بين منصات إطلاق الصواريخ وبين المناطق المأهولة التي أصابتها قذائفه، ولم يشر إلى قذائف أخطأت هدفها أو إلى أي خللٍ آخر في التسديد.
عائلة غبنفي العاشر من أبريل/نيسان، قتلت قذيفةٌ إسرائيلية شخصاً واحداً وجرحت 10 آخرين عندما أصابت منزل عائلة غبن في بيت لاهيا. وكان 13 شخصاً من أفراد العائلة وأصدقائهم يجلسون أو يلعبون في باحة المنزل عندما سمعوا صوت قذيفتين على مسافةٍ بعيدة من المنزل. وتتذكر صوفيا البالغة 37 عاماً ما جرى، فتقول: "قلت لأبنائي أن يدخلوا المنزل لأنني كنت خائفةً عليهم. وكان المنزل أكثر الأماكن أمناً
ثم جاءت قذيفةٌ ثالثة فأصابت المنزل واخترقت السقف ودمرت معظم المنزل. تقول صوفيا: "ظننت أن أبنائي ماتوا جميعاً لأنني رأيتهم والدماء والحجارة تغطيهم. ثم غبت عن الوعي [ثلاثة أيام]".172 قتلت القذيفة هديل (8 أعوام) وجرحت تسعةً من أفراد العائلة: أصيبت صوفيا التي كانت حبلى في شهرها الثامن بشظايا في يدها وجنبها وظهرها وفقدت السمع؛ وجرح تحرير (19 عاماً) في ظهره وكتفه الأيمن؛ وجرحت إيمان (16) في عينها ووجهها وذراعيها وساقيها؛ وجرح بسام (15) في رأسه ويده؛ وجرح غسان (12) في ظهره؛ وجرح منير (10) في عينيه وساقيه؛ وجرحت آنا (9) في رأسها وإحدى ساقيها؛ وجرحت رنا (3) في ساقيها ووجهها ولم تعد قادرةً على الكلام؛ وجرحت روان (13 شهراً) في رأسها؛ كما أصيبت جاكلين معروف (8 سنوات)، وهي صديقةٌ لهديل، بصدمةٍ عصبية.173
وجاء في رد الجيش الإسرائيلي على مطالبة هيومن رايتس ووتش بمعلومات عن هذه الحادثة: "في 10 أبريل/نيسان 2006، وقبل التوقيت المذكور، تم إطلاق صاروخي قسام باتجاه إسرائيل من شمال قطاع غزة. فرد جيش الدفاع بنيران المدفعية، لكنه لم يطلق النار على المباني المذكورة. وكانت القذائف موجهةً إلى أماكن مفتوحة، ولم يسجل أي انحرافٍ لها عن أهدافها في ذلك الوقت".174
صوفيا غبن (37 عاماً) تجلس مع ابنها الرضيع في الغرفة التي اختبأت فيها في منزلها في بيت لاهيا أثناء القصف المدفعي الإسرائيلي بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2006. وقد تعرضت الغرفة لأضرارٍ بالغة، تظهر جليةً في الخلفية. وأدى القصف إلى مقتل ابنتها هديل (8 أعوام)، وجرحها هي وثمانية أفراد من عائلتها. السيدة غبن، المصورة هنا بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2006، كانت حاملاً بالشهر الثامن بهذا الطفل عند وقوع القصف. © 2006، بوني دوكرتي/هيومن رايتس ووتش عائلة أبو عودةأصابت قذيفةٌ أطلقها الجيش الإسرائيلي منزل شهدي محمد أبو عودة في بيت حانون عند الساعة 3:30 من بعد ظهر 29 أبريل/نيسان 2006. وأسقطت القذيفة أربعة خزانات مياه كانت على سطح المنزل، كما سببت انهيار سقف إحدى الغرف. وكان داخل المنزل في ذلك الوقت حوالي 35 شخصاً لأن شقيقة شهدي كانت في زيارةٍ له مع أولادها. وجرحت القذيفة عبد الرحيم (13 عاماً) في ساقه ويده؛ كما جرحت ابن شقيقة شهدي (5 أعوام)، ويدعى محمد، في رقبته. وقد عثرت هيومن رايتس ووتش على شظايا قذيفة من عيار 155 ملم، فضلاً عن كثيرٍ من آثار الشظايا التي تطابق هذا السلاح. وقال أبو عودة إنه لم ير أبداً أية منصة إطلاق لصواريخ القسام في الحي.175
شهدي محمد أبو عودة يصعد درج منزله المتضرر بشدة في بيت حانون بتاريخ 12 يونيو/حزيران 2006. فقد ضربت قذيفة مدفعية إسرائيلية المنزل بشكلٍ مباشر بتاريخ 29 أبريل/نيسان 2006 وأدت إلى إصابة طفلين على الأقل بجروح. © 2006، بوني دوكرتي/هيومن رايتس ووتش
وعند سؤال الجيش الإسرائيلي عن هذه الحادثة أجاب: "في 29 أبريل/نيسان 2006، تم إطلاق صاروخ قسام واحد من شمال قطاع غزة، وقبل التوقيت المذكور في استفساركم. وقد رد الجيش الإسرائيلي بنيران المدفعية بغية إرباك وتشتيت وحدات إطلاق الصواريخ ومنعها من دخول منطقة الإطلاق. ولم تستهدف قذائف الجيش المباني المذكورة، بل استهدفت مناطق مفتوحة. ولم يحدث أن انحرفت القذائف عن أهدافها في ذلك الوقت".176
مجمع أبراج الندىفي أيام 24 و26 و28 يوليو/تموز، أصابت سلسلةٌ من رشقات المدفعية الإسرائيلية مجمعاً سكنياً ضخماً يعرف باسم "أبراج الندى" والمنطقة المحيطة به. وقتلت القذائف 4 مدنيين فلسطينيين بينهم طفلان، وجرحت 14 غيرهم. والقتلى هم صادق ناصر (31 عاماً)، وسعدي أحمد نعيم (30 عاماً)، وصلاح ناصر (16 عاماً)، وختام تايه (11 عاماً)؛ وكان بين الجرحى من تعرض لإصاباتٍ خطيرة في الجذع ولفقدان بعض أصابعهم، فضلاً عن عددٍ من الجروح الناجمة عن الشظايا. كما ألحقت القذائف أضراراً جسيمة ببعض الشقق السكنية وأجبرت مئات الأسر على الفرار.
وكانت الجماعات الفلسطي |