![]() |
| |
| الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم |
| |
|
Sudan Sudan ![]() |
العنف الجنسي في دارفور في عامي 2007 و2008
ما زال الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي مشكلة متفشية في نزاع دارفور. وكما تم التوثيق على نطاق واسع، فقد ظهر العنف الجنسي بقوة في حملة "التطهير العرقي" الحكومية، أثناء النزوح وبعده.21 وحتى الآن يستمر العنف الجنسي في تهديد سلامة النساء والفتيات في أنحاء دارفور بأنساق تعكس تفاعلات النزاع الحالية وانهيار القانون والنظام.22
وفي منطقة دارفور المسلمة في أغلبها يعتبر العنف الجنسي مسألة شائكة إلى أقصى درجة. وعادة ما لا تعترف النساء والفتيات بتعرضهن للإساءات الجنسية لأنهن يخشين أن يصمهن المجتمع بالعار ولا يثقن بأن السلطات قد تتحرك بناء على الإقرار بالتعرض للاغتصاب. وكثيراً ما ترفض السلطات الاعتراف بالمشكلة وأحياناً تتهم الضحايا بالكذب على العاملين بالإغاثة الإنسانية للمبالغة في تقدير مشكلتهم، وهذا لأغراض سياسية.23 كما سعت بعض السلطات السودانية المحلية إلى عرقلة عمل العاملين بهيئات الإغاثة الإنسانية على هذه القضية.24 وقد تعرضت الهيئات التي تدير عيادات النساء في أكبر مخيمات النازحين داخلياً في دارفور للمضايقات وللعرقلة من قبل المسؤولين الحكوميين وهي عادة ما لا تفصح علناً عن مجريات عملها.25
ونظراً للسرية المحيطة بالموضوع، فمن شبه المستحيل وضع إحصاء دقيق يحسب نسبة انتشار العنف الجنسي في دارفور. وقد أفادت منظمة أطباء بلا حدود الإنسانية أنها عالجت زهاء 500 امرأة وفتاة بين أكتوبر/تشرين الأول 2004 وفبراير/شباط 2005 في جنوب دارفور، وأن هذا العدد هو جزء يسير من إجمالي الحالات نظراً للقلة المُزمنة لحالات إبلاغ الضحايا عن الاغتصاب.26 وأفادت منظمة إنسانية أخرى بأن 200 امرأة تعرضن للاعتداء الجنسي في فترة خمسة أسابيع في شهر أغسطس/آب 2006 حول مخيم كالما جنوبي دارفور.27 وما زال مخيم كالما يعاني من مستويات مرتفعة من العنف الجنسي. وفي أنحاء أخرى من دارفور كانت الأرقام المُبلغ عنها أقل. في عام 2007 وثق مراقبو حقوق الإنسان في الأمم المتحدة قرابة عشر حالات شهرية في المواقع التي زاروها.28 كما لاحظ مسؤولو الأمم المتحدة أن حالات الاغتصاب وغيرها من ضروب العنف الجنسي تتزايد ضد الضحايا الأحدث سناً.29
أشكال الإساءةبما أن النزاع في دارفور يدخله بشكل متزايد جهات متقاتلة جديدة، يتزايد أيضاً عدد مرتكبي العنف الجنسي. وهم حالياً من صفوف الجيش والميليشيات والشرطة والمتمردين والمتمردين السابقين والعصابات الإجرامية. ويرتكبون جرائم العنف الجنسي في إطار هجماتهم على المدنيين، في جوار مخيمات النازحين داخلياً في دارفور، وفي البلدات ذات التعداد الأكبر من النازحين، وفي المناطق الريفية قرب القواعد العسكرية أو في المناطق الخاضعة لسلطة المتمردين.
هجمات واسعة النطاق على المدنيينتستمر الحكومة ومعها الميليشيات المدعومة منها في ارتكاب جرائم العنف الجنسي في إطار الهجمات على المدنيين، وتنفذها بذريعة مكافحة التمرد.
وفي فبراير/شباط 2008 وقعت هجمات جوية وبرية واسعة النطاق شنتها الحكومة والميليشيات التي تدعمها الحكومة على بلدات سيربا وسيليا وأبو سروج شمال غرب دارفور، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 مدني وتدمير الممتلكات ونزوح أعداد كبيرة. وفي زيارة إلى سيربا قال الشهود لمراقبي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة إن واحدة من كل عشر نساء أو فتيات إما تعرضت للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي.30
وتم شن 15 هجمة برية وجوية على الأقل ضد المدنيين من قبل الحكومة، والميليشيات الموالية، وقوات جيش تحرير السودان/ميناوي، وهذا في الفترة من يونيو/حزيران حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2007، ويُعتقد أن الكثير من هذه الهجمات شملت حوادث عنف جنسي لم يتم الإبلاغ عنها أو توثيقها.31 على سبيل المثال، في ربيع عام 2007 أفاد نازحون يقيمون في مخيمات بمنطقة طويلة بوقوع حالات اغتصاب في إطار هجمات قوات جيش تحرير السودان/ميناوي والحكومة على قراهم، فأشار بعضهم إلى جنود جيش تحرير السودان/ميناوي بلقب "الجنجويد الأفارقة".
وتم استخدام العنف الجنسي في سلسلة من الهجمات الحكومية بمساعدة الميليشيات الموالية، على المدنيين في منطقة أبو ساكن في شمال دارفور، وهذا ضمن الفترة من أكتوبر/تشرين الأول حتى ديسمبر/كانون الأول 2006. وأثناء إحدى الهجمات الموسعة، قام جنود حكوميون وعناصر من الجنجويد من بلدة أم سيالة المجاورة وفيها قاعدة عسكرية باختطاف ثمان نساء وفتيات، واغتصابهن بقسوة ثلاث مرات على الأقل، ثم أجبروهن على السير عائدات إلى قريتهن وهن عاريات.32 وحتى الآن يرفض الجيش تسليم المشتبهين الذين تم التعرف عليهم إلى الادعاء العام في الفاشر.
كما برز الاغتصاب في هجمة حكومية موسعة على ديربات، في شرق جبل مره، في ديسمبر/كانون الأول 2006. إذ قامت أعداد كبيرة من الميليشات والقوات الحكومية بقتل المدنيين واختطاف واغتصاب عشرات النساء والفتيات. وقال أحد الشهود لمسؤولي حقوق الإنسان في الأمم المتحدة: "تعرضن للاغتصاب من قبل أي رجل يشاء اغتصابهن. كلما حضر رجلٌ أية امرأة منهن كان عليها الامتثال، وإلا تعرضت للضرب المبرح".33
في مخيمات النازحين داخلياً وحولهاغالبية الحوادث التي تم الإبلاغ عنها وقعت حول أطراف مخيمات النازحين داخلياً، حيث يتحرش المسلحون بالنساء والفتيات ممن يخرجن لجمع الحطب أو العشب أو من يعملن بالزراعة. والأسلوب المتكرر هو أن تقطع جماعة صغيرة من الرجال الطريق على النساء أو الفتيات في منطقة معزولة وهم عادة ما يكونون في ثياب رسمية ويوجهون إليهن الإهانات من قبيل "عبدة" أو "تورا بورا" (لفظ مهين لكلمة "متمرد")، ويقومون بضربهن بالسياط والعصي وكعوب البنادق، أو يضربوهن على أيديهن ثم يقومون باغتصابهن.34
وقد تكرر هذا الأسلوب في حالات كثيرة قام بتوثيقها مراقبو حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في الفترة بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2007.35 على سبيل المثال، في إحدى الحالات بمخيم النازحين داخلياً في كالما جنوبي دارفور، قطع عناصر من ميليشيا الجنجويد الطريق على امرأتين من الفور كانتا عائدتين إلى المخيم، وسألوهما لأي قبيلة تنتميان وإلى أين تذهبان. وحين قالت المرأتان إنهما من قبيلة الفور، أهانهما الرجل وأطلق عليهما لفظ "تورا بورا". ثم أمسك بإحديهما وأمر الأخرى أن تغادر تحت تهديد السلاح، ثم اغتصب الأولى.36
وفي أحد الأمثلة من مخيم فاتابورنو للنازحين داخلياً شمالي دارفور، وصفت امرأة في العشرين من عمرها تعرضها للاعتداء الجنسي على يد رجل مسلح فيما كانت تقوم بالزراعة على مشارف المخيم في أغسطس/آب 2007:
وقال أبوها إنه عثر عليها فيما كان يحاول المعتدي خنقها فقام بالتدخل.
وفي أحد الأمثلة من غرب دارفور، وصفت فتاة في الثانية عشر من عمرها من قبيلة إرينجا كيف أنها في ديسمبر/كانون الأول، غرر بها رجل عربي مسلح في ثياب رسمية هي وشقيقتها الصغرى ودفع بهما إلى منطقة معزولة فيما كان يتظاهر بمساعدتهما في العثور على حمارهما المفقود. وقالت: "قال إذا ذهبنا معه فسوف يرينا [الحمار]. أمسك بي وخلع ثيابي ليفعل بي أشياء سيئة. وركضت شقيقتي الصغرى عائدة إلى المخيم".
وفي بعض الحالات كان مرتكبو العنف الجنسي يرتدون ثياباً مدنية وربما لم يكونوا مسلحين. في شمال دارفور، أفادت امرأة من الفور تعيش في مخيم النازحين داخلياً في زمزم بأنها في مارس/آذار 2007، وفيما كانت تجمع الحطب مع خمس نساء وفتيات أخريات، قطع عليهن الطريق ثلاثة رجال عرب يرتدون الثياب المدنية ويركبون الحمير، وسألوهن عمّا يفعلنه. وصفعها أحد الرجال وقال: "أنتن أيها السوداوات ليس مسموحاً لكنّ بجمع الحطب من هنا"، وصادر منها فأسها. وراح الرجال يضربون النساء وأخذوا منهن الفؤوس وهددوهن بالاغتصاب قائلين: "سنقوم بختانكن ثانية الآن".
وتتباين هوية المرتكبين بناء على موقع المخيم. في المخيمات التي تقع بالقرب من المواقع العسكرية والقواعد العسكرية، يكثر إبلاغ السكان عن وقوع الإساءات من قبل الجنود وعناصر الميليشيات، بينما في المخيمات التي تقع في مناطق يسيطر عليها فصيل المتمردين السابقين الذي يقوده ميني ميناوي من جيش تحرير السودان، يميل السكان للإبلاغ عن هجمات يرتكبها رجال مسلحون من تلك الجماعة المناهضة للسكان من ذات العرق الذي تنتمي إليه جماعات المتمردين المعادين. وقد ارتكب جنود جيش تحرير السودان/ميناوي أعمال عنف جنسي في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، خاصة في منطقة طويلة شمالي دارفور وجريدة جنوبي دارفور.37
وطويلة، التي كانت فيما مضى بلدة مزدهرة، أصبحت شبه خالية حالياً ولا تستضيف إلا بعض مخيمات النازحين داخلياً، بما في ذلك مخيم "رواندة" الممتد (الاسم مشتق من دوريات بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان المنتمي عناصرها لرواندا والتي كانت منتشرة هناك في عام 2005). وغالبية حالات العنف الجنسي التي تم الإبلاغ بوقوعها ارتكبها رجال مسلحون من الزغاوة الموالين لفصيل ميني ميناوي، واستهدفت النساء والفتيات من الفور والتنجور وهن يجمعن الحطب أو القش أو أثناء عودتهن إلى قراهنّ الأصلية من الحين للآخر للزراعة وأخذ الطعام. كما تعرض الرجال للهجمات والضرب والسرقة أثناء الذهاب إلى المخيمات أو أثناء العودة منها. وكما هو مذكور أعلاه، فقد تزايد العنف في القرى القريبة من طويلة بدءاً من مارس/آذار 2007. ففي مارس/آذار 2007 هاجم ثمانية رجال يرتدون ثياباً مموهة وأغطية رأس مجموعة من ست نساء من الفور وهن عائدات إلى المخيم بعد جمع العشب من الدغل. وطبقاً لامرأة تبلغ من العمر 20 عاماً كانت بصحبتهن، سألهن الرجال: "أين أزواجكن" واتهمن النساء بحمل الطعام إلى فصيل عبد الواحد من جيش تحرير السودان. ثم قام الرجال باغتصاب ثلاث نساء منهن. "أخذونا إلى الدغل. اغتصبني أحدهم ثم ضربني بالعصي والسياط. ولم أتمكن من السير بعدها. وحضر الناس وحملونا وعادوا بنا إلى المخيم".
وفي حالة اتصفت بالقسوة البالغة، غادرت فتاة في الحادية عشر من عمرها مخيم رواندا لجمع العشب ذات صباح في أغسطس/آب 2007 مع شقيقتها البالغة من العمر سبعة أعوام، وأفادت التقارير تعرضها للاغتصاب على يد ثلاثة رجال تعرفت فيهم على أنهم من الزغاوة. وقالت: "ذهبت [إلى الجبل] مع شقيقتي لجمع العشب. وظهر لنا ثلاثة رجال من الزغاوة في ثياب مدنية وفي أيديهم بنادق. وأمسك أحدهم بشقيقتي واغتصبني الاثنان الآخران". وأسفر الهجوم عن تعرضها لنزيف حاد واحتاجت للنقل للحصول على الرعاية الطبية بمروحية تابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، حيث نًُقلت إلى الفاشر للعلاج.
كما لاحظ العاملون بالإغاثة تزايد الحالات داخل مخيمات النازحين داخلياً، والتي تزايد استغلالها السياسي بعد أن اخترقها رجال مسلحون ودخلتها الأسلحة.38 ويقوم الجنود في الكثير من المخيمات بزيارة الحانات المتواضعة الناشئة حديثاً والتي تصنع فيها النساء الخمر منزلياً لتوليد بعض الدخل. وقد أسهم اقتران الخمر بالبنادق في وقوع حوادث عنف جنسي داخل المخيمات.39 كما يبدو أن ثمة تزايد في حوادث العنف الأسري داخل المخيمات،40 على الرغم من أن نطاق المشكلة ليس معروفاً. وقال أحد العاملين في وكالة لتنسيق الرد على العنف الجنسي لـ هيومن رايتس ووتش: "من الأقل قبولاً أن تبلغ النساء عن حالات التعرض للعنف الأسري، لكننا نعرف بوقوع هذه الحوادث".41
البلدات والقرى والمناطق الريفيةتعتبر الكثير من بلدات دارفور الكبرى بلدات حصينة تستضيف قواعد عسكرية وقواعد للميليشيات، وقد ارتكب الكثير من أعمال العنف الجنسي التي تم الإبلاغ عنها في هذه المناطق جنود وعناصر من الميليشيات. وفي بلدة كابكابيا شمالي دارفور أبلغ سكان من الفور والزغاوة بشكل متكرر لهيئات الإغاثة الإنسانية ومراقبي حقوق الإنسان بالأمم المتحدة عن وقوع العنف الجنسي على يد الجنود والميليشيات. وتستضيف البلدة ثكنة عسكرية كبيرة وعدة مخيمات للميليشيات، وكانت مقر زعيم الجنجويد سيئ السمعة موسى هلال.42 كما تستضيف المنطقة آلاف الجنود وعناصر الميليشيات والرجال العرب المسلحين وبضعهم نزحوا إلى المنطقة جراء النزاع. كما تستضيف زهاء 50000 شخص غالبيتهم من سكان القرى من الفور الذين تعرضوا للنزوح إلى كابكابيا في عام 2004.43 وكثيراً ما يضايق رجال مسلحون يرتدون عدة أزياء رسمية بنية اللون، نساء وفتيات ومن الفور والزغاوة. وأفاد زعماء المجتمع المحلي في كابكابيا العاملين بالأمم المتحدة بوقوع 10 حالات اغتصاب وعنف جنسي في سبتمبر/أيلول 2007 وحده.
وفي أحد الأمثلة وصفت امرأة من التنجور كيف ذهبت جماعة من النساء والفتيات لجمع الحطب في أحد الأودية واعترض طريقهن رجلان عربيان يحملان الخناجر. وأطلق الرجلان على النساء لفظ "تورا بورا" وقاما بضربهن بالعصي والحجارة. وفي مثال آخر أفادت فتاة من الفور تبلغ 15 عاماً تعرضها للاغتصاب على مشارف البلدة على يد رجلين من الميليشيات تعرفت فيهما على أنهما من الجمير (جماعة إثنية متحالفة مع الإثنيات العربية) فيما كانت ومعها ثلاث نساء أخريات عائدات إلى بيوتهن بعد الانتهاء من جمع الحطب. وقالت: "قاما بإيقافنا وأمرانا أن ننزل عن ظهر الحمير. حاولنا الفرار لكنهما أطلقا أعيرة نارية في الهواء. تمكنا من الإمساك بي وقام أحدهما بضربي واغتصابي. وحين انتهيا أخذا الحمير والحطب وتركاني".
وفي المناطق الريفية التي تعتبر علاقات القوة فيها أكثر مرونة يرتكب العنف الجنسي طيف أوسع من الجناة. من المتمردين إلى الجنجويد إلى رجال القبائل المسلحين، وقد تم اتهام عناصر من الجهات الثلاث بارتكاب أعمال العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، ووجه الاتهام إليهم أعضاء المجتمعات المحلية، وهذا ضمن جهود هذه الجهات الرامية للسيطرة على مناطق معينة. ويظهر في الكثير من الحالات الموثقة وجود توترات ونزاعات على الأرض تقع وراء العنف المذكور. في إحدى الحالات التي وقعت في غرب دارفور، قام رجل عربي مسلح ببندقية طراز أيه كيه 47 وسوط وعصا بمهاجمة امرأة من المساليت وكانت معها طفلتها البالغة من العمر 7 أعوام. وهربت الفتاة لكنه أمسك بالأم وضربها ضرباً مبرحاً. وقالت إن أثناء الضرب صاح: "لقد منعنا كل المساليت من الحضور إلى هذه المنطقة. كيف جرؤت على القدوم إلى هنا هكذا؟"
وفي مثال آخر من شمال دارفور أفادت التقارير اغتصاب ثلاثة رجال عرب لامرأة من البيرتي ومعها ابنتها وكانتا قد خرجتا لجمع الحطب. وطبقاً للضحيتين، اقترب منهما الرجال على صهوة الإبل وسألوهما لأي قبيلة تنتميان وإن كانتا قد رأيتا أي إبل تجول بالمنطقة. ووجه الرجال بنادقهم إلى المرأتين وأمروهما باتباعهم إلى قرية قريبة، حيث أخذوا الأم والابنة إلى كوخ مهجور وقاموا بالتناوب على اغتصابهما. وأثناء الاغتصاب قال أحدهم: "أنتم يا أبناء البيرتي من العبيد. اذهبي وقولي لرجال قبيلتك أن يخرجوا لمقابلتنا".
العراقيل الخاصة بالعدالة التي تواجه ضحايا العنف الجنسيالبحث عن العدالة عملية شاقة في دارفور وهي مدفوعة بسعي الضحايا للانتصاف. وبشكل عام يتوجب على ضحايا الجرائم بذل الجهد المضني للإبلاغ عن الوقائع للسلطات، وضمان أن القضايا مُسجلة على النحو السليم وأنه سيتم التحقيق فيها، ثم يجب اتخاذ خطوات لضمان أن الادعاء سيحرك القضية قدماً. وهذه العملية تتطلب الإصرار وتوافر النقود والصلات الاجتماعية والدعم من الأسرة وأعضاء المجتمع المحلي والمحامين. وهي عملية شاقة للغاية على النساء والفتيات النازحات من الفور، اللاتي يعتبرن الأقل تعليماً بين مجتمعاتهن المحلية ولا يمكنهن أحياناً التحدث بالعربية بالمرة، بينما العربية هي اللغة السائدة في دارفور.
وبالنسبة للضحايا في المواقع الريفية، فإن الكلفة الاجتماعية والمالية التي يكابدها الساعون للحصول على العدالة، يفاقم منها المسافة الطويلة التي يجب ارتحالها، وهذا في العادة عبر مناطق موحشة، لبلوغ السلطات. وفي سيسي غربي دارفور على سبيل المثال، يضطر الأشخاص للسير مسافة عشرة كيلومترات للإبلاغ عن وقوع الحوادث. وفي فاتابورنو، شمالي دارفور، يتعين عليهم السفر عشرين كيلومتراً إلى شرطة بلدة كوتوم.
وهذا النقص في إمكانية الاطلاع المادية يظهر بوضوح أكبر في حالة المناطق التي يسيطر عليها المتمردون والمتمردون السابقون، حيث لا تعمل المؤسسات الحكومية. وفصيل جيش تحرير السودان بقيادة ميني ميناوي وفصيل المتمردين بقيادة عبد الواحد يزعمان أنهما يستخدمان نظماً قانونية موازية في المناطق الخاضعة لسلطة كل منهما. والنظام الذي يديره فصيل ميني ميناوي من جيش تحرير السودان، هو نظام هرمي من المستشارين القانونيين و20 مركز احتجاز على الأقل، وهو نظام معيب لأقصى حد. مثلاً يتصرف المستشارون القانونيون لجيش تحرير السودان وهم في العادة غير مدربين في القانون بصفة الادعاء والقضاة، ويجرون "المحاكمات" دون توفير ضمانات الحماية الأساسية للمتهمين أو للضحايا. وليست موثوقة على نحو استثنائي قدرة هذه الآليات القضائية على توفير الانتصاف الفعلي لضحايا العنف الجنسي، خاصة مع استمرار أعضاء الجماعة في اقتراف جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات اللاتي يعشن في المنطقة الخاضعة لسلطتهم.
الخوف من الإبلاغمن المعروف على نطاق واسع أن الغالبية العظمى من ضحايا العنف الجنسي في دارفور لا يقمن بإبلاغ الشرطة.44 ويعكس هذا عدم ثقة عامة في الشرطة، خاصة في صفوف سكان مخيمات النازحين داخلياً. واستمرار الإساءات التي ترتكبها قوات الأمن الحكومية، مثل الشرطة الاحتياطية المركزية؛ يسهم في عدم الثقة هذه.45 مثلاً في قضية وقعت في سيسي غربي دارفور في سبتمبر/أيلول 2007 قام عنصر من الشرطة الاحتياطية المركزية بإطلاق النار على امرأة وتسبب في مقتلها حين حاولت حماية ابنتها من التعرض للاعتداء الجنسي داخل بيتها.46 وفي جنوب دارفور، أفادت فتاتان في عمر 18 عاماً بأنهما كانتا في طريق العودة إلى مخيم النازحين داخلياً الخاص بهما حين قطع عليهما الطريق رجلان من الشرطة الاحتياطية المركزية وحاولا إجبارهما على خول منطقة معزولة لاغتصابهما. وحسب قول ضحية محاولة الاغتصاب من مخيم السلام للنازحين داخلياً شمالي دارفور، لم تبلغ عن التعرض للعنف الجنسي المُرتكب بحقها لأن "الشرطة جزء من المشكلة".
وتخشى الضحايا وأسرهن تبعات الإبلاغ عن الوقائع للسلطات. وأحد الأسباب هو قانون الزنا السوداني. فإذا كانت الضحية غير متزوجة وحبلى وفشلت في إقناع الشرطة بأنها لم توافق على العلاقة الجنسية، فربما تنسب إليها الشرطة الاتهام بالزنا.47 وحسب الشريعة الإسلامية، فعندما تتعرض امرأة غير متزوجة للحمل فهذا دليل تلبس على ارتكاب الذنب.48 ويستمر في دارفور توثيق حالات تُدان فيها فتيات تحت سن 18 عاماً بالزنا لأنهن حبلن، حتى رغم أن الحُكم القانوني الخاص بالزنا لا ينطبق إلا على العلاقة الجنسية بالتراضي بين البالغين.
ولم تعلن الأمم المتحدة عن أية حالات نسبت فيها الشرطة الاتهام لضحايا العنف الجنسي بالزنا في عام 2007، لكن تم الإبلاغ عن مثل هذه الحالات للعاملين بمجال حقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية فيما مضى.49 وقد أصرت الحكومة السودانية على أن التفسير الصحيح لقانون الزنا يستبعد هذه الإمكانية.50 ورغم هذا فإن تهديد المقاضاة بتهمة الزنا ما زال يردع الضحايا عن الإبلاغ عما يتعرضن له. وحين عرفت امرأة تبلغ من العمر 35 عاماً من غرب دارفور بأنها حبلى بعد أن اغتصبها رجلان تحت تهديد السلاح في مزرعتها أوائل شهر أكتوبر/تشرين الأول 2007، قررت ألا تبلغ عن الاغتصاب للشرطة: "إذا أخبرت الشرطة كانوا لينسبوا إليّ الاتهام بالزنا على الأرجح. كما سوف ينظر إليّ المجتمع نظرة دونية لأن لديّ طفلٌ وأنا مُطلقة".
وقد تعرضت بعض من أبلغن عن حالات الاغتصاب للسلطات، للمضايقات والتهديدات51 أو وجه إليهن الاتهام بجريمة "ذكر معلومات كاذبة".52 ومن بين الحالات تم اتهام أقارب من الذكور للضحايا بارتكاب العنف الجنسي وهذا في حالات وقعت حتى عام 2007. كما قامت السلطات الحكومية بمضايقة الضحايا بعدما تلقين الرعاية الطبية. ففي أحد الأمثلة من عام 2007 في زالينجي غربي دارفور قام أحد عناصر أمن الدولة بالذهاب لضحية وأسرتها وهم يغادرون المستشفى وصادر استمارة الأدلة الطبية التي كانت بحوزتهم.53 كما واجهت منظمات إنسانية محلية ودولية مضايقات، وأكثرها كان في عام 2005 حين تم اعتقال عناصر من أطباء بلا حدود إثر إصدار المنظمة لتقرير يوثق خمسمائة حالة اغتصاب في دارفور.54
المعوقات القانونيةكما يرتدع الضحايا عن السعي للانتصاف لأنهن يعتبرن هذه العملية مكلفة وشاقة للغاية، نظراً للاحتمال البعيد بأن تنتهي بانتصافهن من الجناة. وعلى الرغم من أن الحكومة لم توفر إحصاءات شاملة عن المحاكم بشأن جرائم العنف الجنسي، فإن الأدلة القائمة تشير إلى أن نسبة صغيرة للغاية من القضايا تصل إلى المحكمة. وطبقاً لأحد الإحصاءات الرسمية قامت المحاكم في دارفور بالنظر في عشر قضايا اغتصاب في عام 2006، أسفرت عن سبع إدانات وتبرئة واحدة وكانت ثلاث قضايا منها بانتظار صدور الحكم لدى نشر الإحصاءات.55 وفي أكتوبر/تشرين الأول 2007 أفادت وزارة العدل السودانية بأن محاكم دارفور نظرت في عشرين قضية اغتصاب عام 2007.56 ومن بين مُحاكمات الاغتصاب التي أسفرت عن إدانة، لم تمنح محاكم دارفور تعويضاً إلا في قضية واحدة.57
فضلاً عن أن قانون الاغتصاب في حد ذاته يمثل عقبة في وجه العدالة، وهذا بسبب طريقة تفسيره من طرف القضاء. والاغتصاب يُعرّف على أنه "علاقة جنسية تضمنت الزنا أو اللواط، مع أي شخص دون موافقته [أو موافقتها]".58 ولأن هذا التعريف يعتبر هذه الجريمة زنا؛ فبعض القضاة يفسرون هذه المادة على أن قواعد الأدلة التي تثبت وقوع الزنا في الشريعة هي ذاتها المطلوبة في إثبات الاغتصاب، حتى لو كان القانون الجنائي لا يتطلب وجود أربعة شهود من الذكور لإثبات وقوع الاغتصاب.59
حتى في القضايا التي لا يطبق فيها القضاة قواعد الشريعة على حالات وقوع الاغتصاب، فإن الضحية يمكن أن تتم مقاضاتها بتهمة ارتكاب الزنا إذا هي لم تتمكن من إثبات عدم رضاها على الاغتصاب، خاصة إذا كانت غير متزوجة وحبلى (انظر أعلاه). ولا يشمل القانون الجنائي جريمة محاولة الاغتصاب، وهكذا إذا فشلت ضحية الاغتصاب في إثبات وقوع الاختراق، فربما تحاكم المحكمة المعتدي بتهمة "عدم الاحتشام" فقط.60
عدم فعالية الشرطةأحد الأسباب التي تقول ضحايا العنف الجنسي إنهن لا يبلغن عن وقوع العنف بسببها هي غياب الثقة في أن الشرطة ستتخذ رد الفعل الفعال. وطبقاً لقانون الإجراءات الجنائية السوداني، فعلى الشرطة التحرك فوراً إلى مسرح الحادث واتباع إجراءات محددة لجمع الأدلة ونقل الضحايا المصابين إلى المستشفى.61 لكن من الناحية العملية فإن الشرطة غير فعالة في إجراء التحقيقات والقيام بالاعتقالات في قضايا العنف الجنسي.
وبناء على مجموعة كبيرة من القضايا التي تابعها مراقبو حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أفاد تقرير مجلس حقوق الإنسان: "اختارت ضحايا كثيرات عدم التقدم بشكوى لدى الشرطة لأنهن أحسسن بأن الشرطة غير قادرة أو لا تريد اتخاذ الأفعال المناسبة بحق الجناة. وفي بعض الحالات اقتصر ما فعلته الشرطة على تلقي الشكاوى".62
وتتحاشى الضحايا الشرطة حتى في حالات التعرض للأذى البدني الجسيم. ففي إحدى الحالات التي وقعت غربي دارفور في أغسطس/آب 2007، هاجم مسلحون من الميليشيات امرأة من الفور في التاسعة عشر من عمرها وقاموا باغتصابها، وكانت حبلى في الشهر الثامن. وتلقت رعاية طبية في عيادة المخيم، لكنها لم تبلغ عن الجريمة للشرطة لأنها لم تعتقد أنهم سيتخذون أي تصرف.63
ويأتي الإحباط من عدم فعالية الشرطة كما أبداه الأشخاص النازحون في شتى أنحاء دارفور كعامل محوري في قضية شهيرة وقعت في كابكابيا شمالي دارفور في أكتوبر/تشرين الأول 2007. إذ تعرف شهود عيان على رجل زعموا أنه عربي يرتدي ثياب مدنية ويحمل بندقية، وهاجم فتاة من الزغاوة تبلغ من العمر 18 عاماً فيما كانت تقوم بالزراعة على مسافة خمسة كيلومترات من البلدة. وقالت أمها التي شهدت على الاعتداء على ابنتها ومصرعها إن الرجل كان يحاول اغتصاب الأبنة حين قام بإطلاق النار عليها.
وأطلق الحادث شرارة التظاهرات الغاضبة من قبل مجتمعات الزغاوة والفور المحلية في كابكابيا، التي أسفرت عن إلحاق بعض الأضرار بمجمع بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان. وأوضح أحد النشطاء: "غايتنا كانت إرسال رسالة واضحة إلى الدولة وإلى المجتمع الوطني والدولي مفادها أن الاغتصاب يحدث". وأضاف: "ووعد الحاكم باعتقال الجاني خلال 24 ساعة، لكن لم يحدث أي شيء". وكف حتى بعض الأشخاص من مجتمع الفور المحلي عن تشجيع ضحايا العنف الجنسي على إبلاغ الشرطة. وقال أحد الشيوخ: "لا فائدة من إبلاغ الشرطة. فهم لا يفعلون شيئاً".
وتتصل أوجه فشل الشرطة إلى حد كبير بنقص الموارد.64 فشرطة دارفور تعوزها المعدات الأساسية، من عربات وهواتف وأوراق وأقلام، دعك من الاستمارات الصحيحة أو الأدوات الأكثر تعقيداً المطلوبة للتحقيقات الجنائية والطب الشرعي. وفي مخيم فاتابورنو للنازحين داخلياً على سبيل المثال، كانت شاحنة الشرطة الوحيدة عاطلة عن العمل لشهور في عام 2007 واعتمد رجال الشرطة على بعثة الاتحاد الأفري |